5 Février 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F02%2F304531_455761511158043_685988422_n.jpg)
ما دام من حق الحاكمين أن يؤيدهم المحكومون إذا هم أحسنوا، فإن من حق المحكومين أن يعارضوا الحاكمين إن هم أساءوا؟!.. بل إن هذه المعارضة، عند الإساءة، هي من حقوق الحاكمين على المحكومين أيضًا.
ولاة الأمور وحكام المسلمين هم نواب عن الأمة، فالسلطة الحقيقية الأصيلة هي للأمة، والحاكمون ليسوا بمعصومين، وكل بني آدم خطاء.. والخطأ في الولايات العامة أكثر وقوعًا من الخطأ في الشأن الخاص، وآثاره الضارة أكبر وأعم، ومن ثم فالوزر عليه أشد وأثقل.. ولصاحب الحق الأصيل سلطان لا ينازع في مراقبة وكيله ونائبه وخليفته في أداء ما فوض إليه من مهام، كي تنجز هذه المهام على النحو الذي أراده صاحب الحق عندما عقد لنائبه عقد الوكالة والإنابة والتفويض!.. وفي التجربة السياسية الاسلامية الأولى، كانت الشورى وهي استخراج الرأي من المشيرين استخراجا – تعني فيما تعني تشجيع المحكومين على المشاركة بالرأي، مؤيدا كان هذا الرأي أو معارضا لولاة الأمور..بل إن ولاة أمور المسلمين، في دولة الخلافة الراشدة، كانوا ينبهون الرعية على ضرورة المعارضة تنبيها؟!.. وأبوبكر الصديق، هو الذي سن سنة الإلحاح على الرعية في مراقبة الحاكم ومحاسبته ومعارضته، عندما قال في أول خطبة له بعد بيعته بالخلافة: “إني قد وُلَيت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.. إنما أنا مثلكم.. فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني.. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم!”…وعندما فتح المسلمون، على عهد عمر بن الخطاب،العراق والشام ومصر، حدثت معارضة كبيرة من جمهور كبير من الجند الفاتحين، وفيهم نفر من كبار الصحابة، لسياسة عمر الجديدة في الأرض المفتوحة.. حتى لقد كان عمر يستجير بالله من شدة المعارضة وقسوتها عليه.. ثم حسم الخلاف – بعد أن تأزم- بالشورى والتحكيم؟! وعندما بويع لأبي بكر بالخلافة، عارض البيعة له، وامتنع عن مبايعته فريق من الصحابة، أنصارا ومهاجرين، وكان في المعارضين سعد بن عبادة – من “النقباء الاثني عشر”- ولقد مات في عهد عمر، على معارضته لخلافة أبي بكر وعمر، ودون أن يبايع لهما؟!..وكان من المعارضين كذلك علي بن أبي طالب.. والذي ظل ممتنعا عن البيعة لأبي بكر أشهرا، قيل إنها ستة وقيل إنها ثلاثة! ولا يحسبن أحد أن السماح بالمعارضة السياسية في التجربة الاسلامية هي خصيصة راشدة، ترجع إلى تقوى وورع الخلفاء الراشدين، الباحثين عن النصح لدى الرعية كي لا يتمادوا في الخطأ فتزداد ذنوبهم في الحساب يوم الدين!…ففضلا عن هذا العامل- التقوى والورع- الذي يجب ألا يكون خصيصة راشدية.. وإنما خصيصة إسلامية.. بل وإنسانية.. وفضلا عما تحققه المعارضة من ترشيد للحكم يسهم في نجاح الحاكم والمحكوم كليهما.. فإن المعارضة- في النظرة الاسلامية- مؤسسة على عدد من الأصول والمنطلقات، التي تمثل أسسا وثوابت في النظرية السياسية الاسلامية.. وذلك من مثل:
1 – حرية الإنسان :
إن الاسلام يعتبر الحرية فطرة فطر الله الإنسان عليها.. وكلمة عمر بن الخطاب: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ” تعبير دقيق عن فلسفة الحرية في الاسلام، كفطرة إنسانية، تفسدها قيود الاستبداد والاستعباد.. بل إن القرآن الكريم يعتبر أن تحرير الإنسان من القيود والأغلال هو من جماع رسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي بعثه الله للناس كي يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم؟!.. “الأعراف: 157″.
ولقد وضع أئمة الاسلام”الحرية” في مقام “الحياة”، وجعلوا “الرق” بمثابة “الموت”؟!.. حتى وجدنا الإمام النسفي [710 ه 1310م]، وهو يعلل كون كفارة القتل الخطأ هي تحرير رقيق من رقه، يقول: “إنه -[أي القاتل]- لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها، من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات، إذ الرق أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكما أومَن كان ميتا فأحييناه..”الأنعام: 122″ . وعندما يكون الإنسان حرا في “تأييد” صواب ولاة الأمر.. فمن الطبيعي أن يكون حرا كذلك في “معارضة” ما يراه غير صواب!..2- فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهي – كأصل من أعظم أصول الفكر السياسي الاسلامي- لا تجعل “المعارضة” للأخطاء في السياسات مجرد “حق” من حقوق الإنسان، وإنما تجعلها فريضة إلهية وتكليفا دينيا.. فالمعارضة السياسية، في جوهرها، ليست سوى إنكار المنكر السياسي؟!.. وهو فريضة. من الله على كل مسلم ومسلمة، كأفراد، وكهيئات وجماعات منظمة ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. “آل عمران: 104″ وهو معيار لخيرية الأمة كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر “آل عمران: 110″، وبتخلفه تحل على الأمة كلها لعنة الله، كما حدث لبني اسرائيللُعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون “المائدة: 78، 79″
ولهذا البلاغ القرآني فَصَّل وطَبَّق البيانُ النبوي.. عندما حض على إنكار المنكر ومعارضته، بل وتغييره- تأكيدا على أن المعارضة ليست مجرد تسجيل مواقف، وإنما هي تغيير يقدم البدائل!.. من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان!.. وأهمية تنوع وتدرج أساليب المعارضة ودرجاتها، هي دعوة كل الأمة المؤمنة إلى المشاركة في العمل العام، دون عذر لمتخلف وسلبي بحجة قلة أو ضعف أو انعدام الإمكانات.. فلا أقل من الرفض بالقلب، إذا لم يستطع الإنسان المعارضة والتغيير وتقديم البديل، بالقول والكتابة، أو بالفعل والتطبيق!.. فليس وراء هذه الحدود مكان أو أثر لإيمان في قلوب السلبيين!..بل إن السنة النبوية تعلمنا أن التفريط في إقامة هذه “الفريضة الاجتماعية” لا يفسد “دنيانا” فقط، وإنما هو “محبط” لأعمالنا، يحول بينها وبين أن تفتح أبواب السماء لدعائنا؟!.. فالله أقرب إلينا من حبل الوريد، لكنه لا يسمع للذين لا يعترضون على المنكر في اجتماعهم البشري: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأْطُرُنَّه- [تجبرونه] – على الحق أَطْرًا، أو ليضربن الله بعضكم ببعض، ثم تدعون فلا يستجاب لكم!.. و إذا رأيتم الظالم فلم تأخذوا على يديه يوشك الله أن يعمكم بعذاب من عنده! ولمشقة هذا الطريق.. ولما يكلفه لأصحابه من مشقات، وخاصة في عصور الجور والاستبداد.. رغب الاسلام فيه، ونبه على أنه هو المنقذ من الخسران.. فالذين لا يتواصون ويتفقون وينتظمون في الأمم والجماعات والمؤسسات القائمة على نصرة الحق، والآمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الصبر على تبعات هذا الطريق، إنما يرتدون بإنسانيتهم من مرتبة “أحسن تقويم” إلى ” لخسران” في أسفل السافلين! والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتوصوا بالصبر “العصر 1: 3″.. ولذلك كان “أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر” !.. فمعارضة ما يستحق المعارضة.. فريضة..وجهاد.. بل إنها أفضل [الجهاد].. كما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-!..
ikhwanwiki