7 Mars 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F03%2F226555_10151482919448781_2040972770_n.jpg)
الاعتقاد المؤمن.. بين الكتاب المسطور والكون المنظور
لاشك أن الاعتقاد عند الانسان يكون سهلا في المشاهدات المحسوسة، حتى وإن كان يتعذر عليه لمسها ببصره،وذلك لأن إدراكه العقلي للمحسوسات، يسهل عليه تمثلها الحقيقي، وبالتالي ييسر عليه عملية الاعتقاد بوجود تلك المحسوسات، ويتحقق له عندئذ الايمان بها، إلى درجة اليقين التام. لذلك كانت الظواهر المحسوسة من الكون المرئي للإنسان، سهلة الرصد، ويسيرة الملاحظة، بحيث تمكن الانسان مع تطور قدراته العلمية، وتقدم أدواته المعرفية، من اخضاع الكثير منها الى التجربة والاستقراء العلمي، الامر الذي مكنه من استكشاف العلل، ومعرفة العلاقات القائمة بين الظواهر، وتحديد الاسباب التي تحكم العلاقة بينها، حيث أفلح في صياغة قوانين مكنته من التنبؤ بما سيحصل من نتائج، فيما لو استمرت معطيات الحال لتلك الظواهر على وضعها،حتى أن المعرفة المتراكمة في هذا المجال قد اصبحت من قبيل البديهيات،واليقينيات العلمية.ولعل ذلك المنجز الانساني العظيم،يتوافق مع مراد الله من تأمل الانسان العقلاني في تعامله مع الكون المنظور،على قاعدة (علم الانسان ما لم يعلم).
ولعل الحقائق العملية التي تمكن الانسان من إستكشافها،والتيقن علميا من موضوعيتها،ساعدته على تعزيز إيمانه بالخالق العظيم،الذي حث الانسان على النظر في ملكوت السماوات والأرض،من أجل الاستدلال على رب السموات والأرض، عن طريق تدبر المحسوس من آياته،على نهج(إن في ذلك لآيات لأولي الالباب).
على أن من الصعب على الانسان بقدراته العقلية المجردة المحدودة، أن يتجاوز ما وراء المحسوس خارج ما تقع عليه حواسه، ليقف على حقيقة ما ورائها،على غرار تجربته مع ما حققه من نتائج مذهله، في تعامله مع المحسوسات التي تقع في حدود امكانيات تناوله.لذلك تعددت رؤاه الفلسفية،وتنوعت مناهجه الفكرية،وتعقدت تناولاته المعرفية لتلك الاشكالات التي واجهته في مسيرته البحثية في هذا المجال.ولعل وصول الانسان الى هذه المحصلة، يتوافق تماما مع عظمة المراد الالهي من امتداح ذلك النمط من الايمان بالغيب على قاعدة(ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون)في اشارة بليغة،الى إحاطة الكتاب المسطور بكل حقائق الوجود،الحسية منها،والغيبية أولا، وتعذر إحاطة الانسان بحقائق ما وراء الغيب ثانيا،فكان لابد من إطراء إلهي للمؤمنين بالغيب يقينا،أوإستدلالا،ووصفهم بالفلاح الروحي،والحسي، لرجاحة قناعاتهم،وسمو تصوراتهم،التي تنأى بهم عن النظر الضيق الذي يقودهم إلى الوهم، والضلال،فيما لو انفرد العقل بتلك المهمة،مهووسا بقدراته المحدودة.
وهكذا نجد أن القرآن الكريم ذلك الكتاب المسطور،مثل المنهج الروحي للهداية على قاعدة(أن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين..) في تناول ما وراء المحسوس،معززا بالكون المادي المنظور،كوسيلة ملموسة تمكن الانسان من التوصل إلى معرفة الخالق بيقين تام كأنه يراه.
نايف عبوش