2 Mars 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F03%2F309685_492745704101726_1401513841_n-copy.jpg)
اللجوء الإقتصادي : ... إنّ السوق صارت مخيفة بالنسبة للمواطن أكثر من ساحات الحروب ...
يبدو أن الحل الأخير أمام المواطن البسيط هو التوجه إلى أقرب سفارة غربية و طلب اللجوء الإقتصادي..قد تتسائلون عن معنى “اللجوء الإقتصادي” و قد يذهب في ظن البعض أنني أقصد “اللجوء السياسي”…
لا أنا لا أريد اللجوء السياسي فتونس اليوم تكلم فيها حتى الأخرس فسمعنا غرائبا و عجائبا و لنا 140 حزبا أو يزيد و البرامج السياسية في الإذاعة و التلفيزيون صارت هي الطاغية على البرمجة حتى أننا لم نشاهد على قناتنا الوطنية مسرحية هزلية منذ أيام الثورة و كأن هذه القناة في حرب ضد الإبتسامة…
إذا كنا في الماضي نعاني من تخمة رياضية فإننا اليوم نعاني من تخمة سياسيـة بل إننا قريبا قد نرى بعض الوجوه السياسية بصدد تحليل مقابلات في كرة القدم و تقديم برامج في الصحة العائلية…
شخصيا مللت من السياسة و من وجوه بعض السياسيين الذين يقفزون في كل برنامج للحديث في الإقتصاد و الحريات و الحقوق و علم الذرة و الزراعة و الدستور و التاريخ والطب وووو…
أنا أريد اللجوء من السياسة و الهرب بجلدي منها لا الإرتماء في أحضانها…
إذا كان هناك لجوء “لا سياسي” فمرحبا به…إن ما ينغّص عيشنا في تونس ليس السياسة و أهلها الذين تكاثروا بشكل رهيب بعد الثورة بعد أن كانوا لا يعدّون على أصابع اليد الواحدة قبلها..
ما يقلقني في الحقيقة هي حالتنا الإقتصادية المتردية جدا و التي حسب ما أرى لا تعني كثيرا لا أقوى حكومة و لا أسوأ معارضة..
مؤخرا قصدت أحد المحلات لشراء حذاء إدخرت ثمنه لمدة ثلاثة أشهر (بمعدل 20 د شهريا لمن يهمّه الأمر)…
هذا المحل وهو من الصنف المتوسط وجدت به أسعارا تشيب لها الولدان فمن 120د إلى 160د تجد أحذية جميلة الشكل و جذابة أما بال60د التي كانت معي فواضح أنني أخطأت العنوان لأن الأحذية المتوفرة بهكذا مبلغا كان شكلها منفرا و أفضّل المشي حافيا على إرتدائها…
ربنا في الأعالي ما هذا؟
لا أقول أنني كنت في زمن المخلوع في بحبوحة من العيش و لا أنني كنت أعيش في رفاهية و لكن درجة الإنفلات في الأسعار لم تصل إلى هذا المستوى القياسي و الغلاء أصبح أشبه بوباء يجتاح كل المواد و الملابس و المنتجات…
إن السوق صارت مخيفة بالنسبة للمواطن أكثر من ساحات الحروب و الطماطم و البطاطا و البصل غدت بضاعة خاصة بالبورجوازية و ليس للفقراء إلا إستراق النظر…الفواتير التي تنكّد علينا عيشنا أصبحت تقتلنا…
حينما نجهز على فاتورة تبرز لنا أخرى كأننا نصارع وحشا بعدد لا ينتهي من الرؤوس….
لن أتحدث عن مصاريف البناء و الزواج و السيارة فقريبا ستصبح هذه الأشياء من قبيل الأساطير و الخيال العلمي….
أسعار التبغ تزيد بشكل غريب و قد نقترض لشراء “باكو دخان” أو نلتجأ في عملية إنتحارية لدخان الجزائر الرخيص السعر و الذي لا ندري ما يفعله بأجسادنا…
أسعار الخمور هي الأخرى زادت و لكن لا حاجة لنا في الخمر فأوضاع بلادنا أسكرتنا بلا مسكر….
ماذا بقي ؟
أمورنا المالية تتدهور و مقدرتنا الشرائية تتراجع و مرتباتنا مجمدة أو تسير بسرعة السلحفاة….
لا أحد يكترث لإقتصادنا المنهك الذي ينزف بسبب الأوضاع الأمنية المتدهورة و الإضرابات و الإعتصامات و هجرة رؤوس الأموال…
لا أحد يقرع نقوس الخطر أمام الشركات التي تغلق أبوابها و البطالة التي صارت شبحا يهدّد الجميع…
في ظل هذا الوضع البائس و الخطير نجد أهل السياسة لا يتحدثون إلا عن حل روابط حماية الثورة و لا أحد منهم يتحدث عن حل الأزمة الإقتصادية لبلادنا…
كلهم يقيمون الدنيا و لا يقعدونها لقدوم داعية و لا ينطقون بحرف عن رحيل مستثمر أجنبي أو شركة أجنبية…
كلهم يجادلون حول الهوية و الحداثة و المساجد و لا أحد يهتم بالبورصة و المشاريع و الإستثمار…
لا أحد يكترث لجيش العاطلين عن العمل و الحياة بقدر إهتمامه بالأولياء الصالحين..
إن الحل بالنسبة لي و لمن هو مثلي طلب اللجوء الإقتصادي إلى دولة تعرف أن الكرامة لا توجد في البيانات السياسية و لكن في الواقع و في توفير الشغل و المسكن…
بلد يعرف أن الحرية كالهواء الذي نتنفّس و لكن ليس بها وحدها يحيا الإنسان…
بلد يكرّس قادته جهدهم و وقتهم في حلّ مشاكل الناس لا تعميقها و في تقديم الحلول لا قراءة الواقع كما هو (فالجميع يقدر على ذلك)…
بلد نحسّ فيه أن الإنسان أغلى من الخضروات و الغلال و الفواكه و اللحوم (شرف غانية في ماخور 8 د وثمن كيلو من لحم الخروف 18د!!!!!) …
بلد يملك فيه المواطن القدرة على الشراء لا فقط على البيع (كل ما يملك أحيانا) ليعيش…
أنا مواطن من أنصار “الإقتصاد هو الحلّ” فمن كان يعرف طريقا لحلّ مشاكلنا الإقتصادية فمرحبا وليتكلّم و إلا فليصمت فلا حاجة بنا إلى الثرثرة فقد مللنا الكلام…
كاتب المقال : يسري بوعوينة