31 Janvier 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F01%2Fwafa.jpg)
المرأة .... الواقع والتحديات في ظل "حكم" الإسلاميين: بقلم وفاء مطر / حميدة بالسعد
… يتبع
I- المرأة بين النص القرآني والنبوي والواقع التونسي :
إن الديناميكية التي يتميز بها المشهد التونسي والتجاذبات الموجودة بين قوى العلمانية والإسلام السياسي وضع تحديات في طريق المرأة التونسية عليها تجاوزها بحنكة وذكاء وكبير وعي وحرية ومعرفة بأصولها التاريخية والحضارية والدينية.
لذا وجب أولا المرور بالمحطات التاريخية التي مرت بها المرأة المراد تحليل واقعها وآفاقها ثم تسليط الضوء على بعض المواضيع والإشكالات المطروحة بشدة على الساحة الفكرية والتي تحولت بفعل الحراك السياسي إلى موضوع مزايدات سياسية.
1 –المرأة في النص القرآني والنبوي:
عرف القران الكريم المرأة من خلال زوايا عديدة ابتداء من أول امرأة وجدت في الكون ” زوج آدم ” وما حصل لها من أحداث ومواقف حتى نزلت إلى الأرض ، ومن ثم تحدث عن المرأة في مواقف الإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، وتحدث عن كل ما يتعلق بها من أحكام شرعية في الزواج والطلاق والميراث ، وتحدث عنها في أحوالها الاجتماعية المختلفة وخاصة الأم وأوضح ما لها من حقوق وما عليها من واجبات ، كما تحدث عن نماذج ومواقف صريحة من حيث الإيمان بأنبياء الله كمريم وزوجة فرعون ، وتحدث عنها وقد اتخذت موقفا العداء والخيانة لدين الله ورسله كزوجة نوح ولوط وامرأة أبي لهب، كما أشاد القران الكريم ببلقيس “ملكة سبأ” ونوه باعتمادها الشورى بين قومها ” قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون” صدق الله العظيم
هذه المرأة في القرآن الكريم فما هي صورة المرأة المسلمة على عهد الرسول ومدى علاقتها بمجتمعها ؟
بداية ينبغي لنا قبل التعرف على المجالات المتنوعة التي أسهمت من خلالها المرأة في خدمة مجتمعها في شتى مناحي الحياة أن نوضح موقف الإسلام من مشروعية خروج المرأة من بيتها، ومشاركتها الضرورية للرجال قبل تناول هذه الجوانب العملية بالتفصيل. معلوم أن الإسلام يقف موقف الاعتدال والوسطية في جميع القضايا المتعلقة بالحياة الإنسانية، وكذلك الحال في قضية خروج المرأة إذ أنه لا يمنعه شريطة الضرورة والتزام المرأة ببعض الضوابط المتعلقة بهذا الأمر، كالحجاب لكي تحفظ للحياة طهارتها لا أن تكون عائقاً أمامها عن أداء واجباتها وحقوقها المشروعة. ومما يؤكد لنا مشروعية خروج المرأة لقضاء حاجاتها ما رواه البخاري: عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: خرجت سودة بنت زمعة ليلاً فرآها عمر فعرفها فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا. فرجعت إلى النبي فذكرت ذلك له .. فأنزل عليه، وهو يقول: “قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن”، وقوله مخاطباً الرجال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله” ولذا فإن الصحابة لم يضيقوا على النساء بمنعهن من المشاركة في الحياة الاجتماعية وملاقاة الرجال؛ لأنهم أعقل من أن يعطلوا حركة الحياة النشطة، وما تقتضيه من مشاركة المرأةً. كما كانوا أبعد عن الظلم لها أو استضعافها وتحميلها مغبة شعورهم بالعجز عن مقاومة الفتنة، كما لم يسمح الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً – مهما كانت الظروف – بالجور على حق المرأة في ممارسة دورها الحياتي،
والمرأة في التاريخ النبوي احتلت أيضا العديد من المواقع …لقد عشنا مع السيدة خديجة أول من آمن بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأول من شد أزره وسانده ماديا ومعنويا وهي إضافة إلى ذلك رمز المرأة العاملة آنذاك وقد كانت تاجرة قبل أن تعهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم القيام على أموالها وتجارتها…
ومن يُلقي نظرة على مجالات المشاركة الاجتماعية للمرأة في صدر الإسلام سيلاحظ أنها قد كانت شائعة معروفةً، ولكنها كانت منضبطةً بضوابط الشرع، وقد تجلت مشاركة المرأة في صدر الإسلام سياسيا وجهاديا وتربويا (من خلال حق التعلم وواجب تربية الأسرة)
أما عن مشاركتها سياسيا فقد أكد القرآن الكريم على حق المرأة في هذه المشاركة، ولاسيما فيما يلم بالمسلمين من شدائد ومحن، وقد قال تعالى: )والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعـروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئـك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) التوبة الآية 71
. وهذه الآية تتضمن ضروباً من إنصاف المرأة وأهليتها لتحمل تبعات الحياة والمساهمة في بناء أوضاعها الصالحة، فالولاية تشمل: الأخوة والصداقة والتعاون على كل خير، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب يشمل ضروب الإصلاح في كل نواحي الحياة
وقد مارست المرأة المسلمة هذا الحق في عهد الرسول –ص- وخلفائه الراشدين وأخذت صوراً وأشكالاً متنوعة منها: – هجرة المؤمنات فراراً بدينهن من المجتمع الكافر ومشاركتهن في البيعة
- مشورة الرسول لأم سلمة يوم الحديبية حين امتنع المسلمون عن طاعته «فقالت له: يا نبي الله اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بيدك وتدعو حالقك فيحلقك. فلما رأوا ذلك منه قاموا فنحروا وحلقوا” وهذا دليل على حسن إدراك المرأة وعمق بصيرتها في الأوقات الصعبة وعلى تقدير الرسول –ص- واحترامه لرأيها ومكانتها
- وقد كانت لأمهات المؤمنين مشاركتهم السياسية فيما يتعلق بشؤون الخلفاء من البيعة وغيرها، منهن حفصة رضي الله عنها التي عملت على اختيار أبيها لمن يخلفه حفاظاً على أمن الدولة
وموقف عائشة – رضي الله عنها – من علي رضي الله عنه مشهور حيث خرجت عليه ومعها كبار الصحابة كالزبير وطلحة طلباً للثأر لمقتل عثمان بن عفان، وقد أبصرت قتلته يذهبون إلى ديارهم موفورين فانصدع قلبها، وكانت موقعة الجمل نسبة إلى الجمل الذي ركبته وأصيب في هذه المعركة، وأعادها على مكرمة إلى بيتها، فهي وإن لم تنكر عليه أمر خلافته حيث إنها كانت تدعو الناس يوم قتل عثمان لبيعته؛ لأنها تعلم بأحقيته للأمر ولقرابته من الرسول – ص -
- وخطبة أم كلثوم بنت علي في أهل الكوفة بعد وقعة كربلاء لتخاذلهم عن نصرته وغدرهم به قائلة: ” يا أهل الكوفة يا أهل الختر والخذل.. إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أتبكون!! إي والله فابكوا وإنكم والله أحرياء بالبكاء فابكوا كثيرا ًواضحكوا قليلاً، فلقد فزتم بعارها وشنارها ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً، وأنى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة؟”
وكامتداد للفتنة ومقتل أبناء الصحابة وخيرة المسلمين ومشاركة المرأة المسلمة لهذه المآسي فقد قتل عبد الله بن الزبير أول مولود بشر به المسلمون في الإسلام، وكانت أمه أسماء بنت أبى بكر مثالاً نادراً في الصبر عليه، وبلغت من قوة الشخصية درجة عظيمة؛ يوضح ذلك مجابهتها للحجاج حين دخل عليها بعد مقتل ابنها قائلاً: كيف رأيتني صنعت بعدو الله؟ قالت: رأيتك قد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، أما إن رسول الله – ص – حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيراً، فأما الكذاب فرأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. فقام عنها ولم يراجعها”
إن أجلّ الأعمال التعبدية التي تقوم بها المرأة المسلمة، هو نصرة دين الله في واقع الحياة والعمل على تطبيق منهجه في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والدولة
أما على المستوى الخارجي فقد مارست المرأة المسلمة في صدر الإسلام هذا الدور بتنوع أشكاله فشاركت بالقتال الفعلي مثل نسيبة بنت كعب، التي قال عنها الرسول – ص – ” ما التفت يميناً ولا شمالاً يوم أحد إلاّ ورأيتها تقاتل دوني”
وصفية بنت عبد المطلب عمة الرسول –ص- قاتلت فارساً يهودياً كان يحوم حول حصن بني حارثة، ذلك الحصن الذي اجتمع فيه النساء والصبيان يوم الأحزاب فخشيت عليهم منه فقتلته وأبى ذلك حسان بن ثابت الذي احتمى بالحصن لوهن في قلبه
وأم سليم تحمل خنجراً لتضرب به من يقترب منها من المشركين وكانت مصاحبة للمسلمين في معظم غزواتهم مع رسول الله للتمريض. وقبلهن سمية أم عمار بن ياسر التي تؤثر العذاب والشهادة في سبيل الله على النطق بكلمة الكفر للمشركين.
إذن فكل هذه المواقف الشجاعة للمرأة المسلمة في نصرة الدعوة الإسلامية لا تخشى الموت ولا تهاب الأعداء تشير إلى أنه يمكن الاعتماد عليها في أحلك الظروف وأشدها إذا أتيحت لها الفرصة، إن المرأة لم تعقها طبيعتها عن الحفاظ على أمن المسلمين ونصرة دعوتهم سواء كان بالمشاركة السياسية أو الجهادية كالرجال، وأنها أسهمت في كافة الأنشطة عندما كان مفهوم العبادة يمارس بالمعنى الصحيح الشامل لكل جوانب الحياة دون الاقتصار على أحد جوانبها
فعلى الصعيد التربوي وحق المرأة في التعلم من الملاحظ أن تعليم المرأة كان تمهيداً لتعلم العلم الشرعي الذي لا تصح العبادة إلا به، فالدراسة في العقيدة والشريعة والأخلاق متوافقة مع خصائص المرأة وفطرتها. وهنا تكمن أهمية الثقافة الدينية في أنها مساعدة لها على أداء رسالتها كأم وزوجة، ولا يلغى ذلك أن تكون لها دراسات في جميع أنواع العلوم على حسب قدرتها العقلية، كما سنجد المثل الأعلى في ذلك السيدة عائشة – رضي الله عنها – وكثير من الصحابيات كأسماء بنت أبى بكر وأسماء بنت عميس، وكانت كل منهن تجمع بين الثقافة الدينية والتطبيق العملي لها، بالإضافة إلى كثير من أنواع المعارف المتعددة بمقياس ذلك العصر وممارستها حين تدعو الضرورة لذلك دون حرج.
وليس أدل على وجوب العلم، وبيان أهميته من قوله تعالى: )اقرأ باسم ربك الذي خلق)، فأول سورة من القرآن تحمل اسم القلم، وقال تعالى: (ن والقلم وما يسطرون(
من هنا وجدنا الصحابيات يحرصن على القيام والممارسة العملية لهذا الحق بأوسع صوره فقالت إحداهن: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله. فاستجاب لذلك، وقال: اجتمعن يوم كذا وكذا في موضع كذا، فتقول السيدة عائشة – رضي الله عنها: ” نعم النساء نساء الأنصار! لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين”
وإن كانت العلوم الشرعية أقرب إلى قيام المرأة بمسئولياتها ووظيفتها فإن الإسلام لا يحرم عليها تناول العلوم بتنوعها وشمولها، فالسيدة عائشة ضربت أروع الأمثلة بعلمها الغزير في جميع مناحي الحياة حينذاك، “قال الإمام الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل!” وقال هشام بن عروة: “ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا بشعر من عائشة!”
ووجد من الصحابيات من اشتهرت أيضاً بسعة العلم كأسماء بنت عميس التي كانت على علم ودراية بالطب وتفسير الأحلام
وكذلك السيدة الشفاء بنت عبد الله القرشية قارئة وكاتبة، وكانت تعلم نساء المسلمين، وقال لها الرسول – ص – “علمي حفصة رقية النملة كما علمتيها الكتابة”، وتقديراً لعلمها ومكانتها فقد حرص الخلفاء من بعد الرسول – ص – على استشارتها والأخذ برأيها، وكان عمر يقدمها في الرأي وقد ولاها قضاء الحسبة.
هكذا بلغت المرأة دور “الأستاذية” في العصر النيوي وقد اتضحت ملامح التفوق والنضج لدى المرأة المسلمة ليس فقط بروايتها للسنة وتعليمها وفقهها كما سبق ، بل لأنها كانت أيضاً تجادل وتحاور الرجال وكانت تستدرك عليهم وكانوا ربما رجعوا إليها حين اختلافهم وينزلون على رأيها
… يتبع
وفاء مطر / حميدة بالسعد