15 Février 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F02%2Fuuu.jpg)
المرأة .... الواقع والتحديات في ظل "حكم" الإسلاميين: وفاء مطر/حميدة بالسعد
الجزء الثالث
2 – المرأة في الواقع التونسي
المرأة التونسية هي تلك “المناضلة” في الحركة الوطنية وهي التي خاضت معركة الاستقلال، وهي “المرأة الريفية” التي زرعت في أبنائها حب التشبث بالأرض وقيمة الزرع والحصاد، وهي “التلميذة والطالبة” التي تبهر العالم بفطنتها وذكائها وتفوقها، وهي “المرأة المدرسة” المربية التي تخط على عقول بيضاء قيم ومبادئ وهوية وطنها، وهي “المرأة المناضلة النقابية والسياسية” التي لم تنحني للظلم والقهر والدكتاتورية والتي تعرضت إلى السجن والتهجير والتعذيب من اجل معارضتها لقيم الاستبداد والقهر……
هذه الصورة البانورامية للمرأة غمرها النظام السابق إذ ربط الانجازات في المجال النسوي بالسيدات الأوائل وبالتالي غُيبت المرأة العاملة والريفية وربة البيت والنقابية والمعارضة من مخططات الحماية والاعتراف بالحقوق الأساسية مما رسخ في لاوعي المواطن العادي الربط بين النظام المستبد وحقوق المرأة التي عادة ما تستخدم كوسيلة لتحصين صورة النظام على المستوى الدولي.
أما الثورة التونسية وبقية الثورات العربية فقد وفرت سقفا من الحرية أتاح الفرصة لكل القوى المقموعة (بشتى مشاربها) لتنشط في المجال السياسي والاجتماعي. فرجوع التونسيين إلى المجاهرة بمواقفهم (المتطرفة أحيانا يمينا ويسارا من فلم نادية الفاني إلى ظهور السلفية الجهادية) خلق أجواء جديدة يميزها الاختلاف في الرأي والتجاذبات الفكرية والإيديولوجية المتمركزة حول مفهومي العلمانية والدين، ولعل مسألة واقع المرأة والتحديات التي تنتظرها يتنزل في إطار الجدل القائم بين قوى علمانية تعتقد أنها المخلص الوحيد للمرأة وبين قوى دينية تعتقد أن مسألة حقوق المرأة مسألة مكفولة شرعا ولا مجال لإدراجها في مجال المزايدات السياسية، لان المرأة العربية والتونسية خاصة لا تجد نفسها في تيار بعينه فكل التيارات تتدرب على الاقتراب من صورة المرأة التي يريدها الإسلام وهي تتكامل في جوانب وتتعارض في أخرى، كما أن المرأة المسلمة ليست حبيسة ثكنة إيديولوجية حتى وان كانت باسم الإسلام وإنما هي شخصية واعية وحرة ولها كل القدرة على تخير الأفكار والرؤى بما تقتنع به ويستجيب لتطلعاتها وانتظاراتها.
وبالنظر إلى بعض المواضيع التي طرحت على الفكر الإسلامي مادة دسمة للتنظير والنقاش يتبين الموقف الإسلامي من مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية.
2-: في بعض القضايا التي تخص المرأة
* المرأة التونسية وعلاقة “النوستالجي” بمجلة الأحوال الشخصية:
صحيح أن مجلة الأحوال الشخصية ساهمت في تحرير المرأة من العديد من الأغلال والمظالم لكن هذه المكاسب ليست بالضرورة ثمرة طبيعية لصدور المجلة بل أنها مرت بعدة مراحل حتى قبل صدروها: إذ نلحظ انه كان هناك حراك حول حقوق المرأة في الممارسات التونسية القديمة ونذكر على سبيل المثال مقتطفات من خطبة المعز لدين الله الفاطمي مخاطبا شيوخ دولته حول موضوع تعدد الزوجات “…وأقبلوا بعد هذا على نسائكم والزموا الواحدة التي تكون لكم ولا تشرهوا للتكثر منهن والرغبة فيهن فيتنغص عيشكم وتعود المضرة عليكم وتنهكوا أبدانكم وتذهب قوتكم فحسب الرجل الواحدة، الواحدة[1].
كذلك لا يفوتنا التنويه بشخصية الأميرة عزيزة عثمانة ( 1606-1669) والتي مثلت مسيرتها أنموذج حي لاهتمام الآباء المستنيرين في تونس بحقوق المرأة وبتربية البنات وتعليمهن. فقد اعتنى بها والدها منذ صغر سنها فحفظت القرآن وتعلمت أصول الدين وما يتبع ذلك من آداب، مثلما تعلمت تدبير المنزل حتى برزت مواهبها واستقامت مثالا للمرأة المثقفة الواعية المحبة للخير والعدل والحرية الإنسانية، فقد أعتقت عبيدها بعد عودتها من الحج ولما أحست بدنو اجلها أوصت بجميع أموالها وأوقفت كل ما كان لها من أملاك شاسعة على مشاريع الخير وتحرير الإنسان من الرق ومن المرض والخصاصة وجهزت الأبكار الفقيرات عند زواجهن ومولت ختان الأطفال الفقراء وحبست جانبا من أملاكها على مستشفى مدينة تونس الذي اصبح منذ الاستقلال يسمى باسمها.
كما كانت الأميرة عزيزة عثمانة تناقش شيوخ الزيتونة حول عدة مواضيع ذات صلة بالحقوق الأساسية مثل موضوع قوامة الرجل على المرأة مثلا[2]
كما شهد القرن التاسع عشر حراكا فكريا لم يغفل التطرق إلى موضوع حقوق المرأة إذ تضمن مثلا كتاب احمد بن أبي الضياف اهتماما بموضوع المرأة وحقوق الإنسان من خلال الرسالة حول المرأة التي أجاب فيها المؤلف عن ثلاثة وعشرون (23) سؤالا طرحه احد المثقفين الأوروبيين على تونس
أشار أيضا حسن حسني عبد الوهاب في مؤلفه شهيرات تونسيات “بأن المصلح الكبير خير الدين باشا عقد النية أيام وزارته على تأسيس مدرسة خاصة بالبنات المسلمات يضارع بها المدرسة الصادقية التي أنشأها للبنين”[3]
لا يفوتنا التنويه بالحركية النسوية – على ضعفها- التي شهدتها سنوات الاحتلال، إذ برز اسم نسائي حامت حوله الشكوك هو اسم “باحثة الحاضرة” وهي صحفية كانت تنشر مقالاتها بجريدة “الوزير” بهذا الاسم المستعار نظرا لحساسية الموضوع، وقد كتبت مقالا بعنوان “حرية المرأة في ظل زوجها” جريدة الوزير 9 فيفري 1928 وفيه حث على الاعتدال والتوسط وتجنب الإفراط والتفريط في الجدل حول الحجاب والسفور وان الدعوة الى الذهاب في تحرير المرأة إلى الحد الأقصى هي دعوة لم يحن وقتها وان الواجب يقتضي التركيز على حق التعلم والحد من المظالم التي تعاني منها النساء المسلمات في تونس في ذلك الوقت.
كل هذه الأحداث والوقائع تثبت أن المكاسب التي تضمنتها مجلة الأحوال الشخصية هي ليست بالضرورة ثمرة طبيعية لصدور المجلة بل ثمرة جهود حركة الإصلاح الديني والحراك الاجتماعي في القرن 19، كما لم تكن المجلة ثمرة تأمل موضوعي لواقعنا واستجابة لمطالبه الوطنية بل جاءت ضمن أجواء التغريب لمجتمعنا للقضاء على ذاتيته العربية الإسلامية وكانت صفقة الاستقلال جزءا من تلك الحملة[4]
ويمكن في هذا السياق التأكيد بان المجلة هي مجلة بورقيبة ذي التوجه العلماني، ارتباطا بدوره السياسي الحاسم كرئيس للحكومة آنذاك للتعجيل بإصدار المجلة في اجل قياسي لا يكاد يتجاوز الأربعة أشهر منذ 17 افريل 1956 إلى غاية 13 أوت 1956 تاريخ الإصدار الرسمي للمجلة[5]. ويرى البعض هذا الاستعجال والتسرع، على حد تعبير الأستاذ ساسي بن حليمة سببه حرص بورقيبة على إرضاء وتطمين فرنسا بإصدار مجلة عصرية للأحوال الشخصية مختلفة عن تلك اللائحة الشرعية التي سبق لوزير العدل محمد العزيز جعيط أن أعدها سنة 1948 لتكون مجلة فقهية تقليدية.
أحمد بن أبي الضياف: إتحاف اهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان، الجزء الأول ص 160.[1]
عبد الجليل الميساوي: موسوعة المرأة العربية وحقوق الإنسان، الجزء الثالث: تحرير المرأة التونسية تجربة نموذجية رائعة ط 1 تونس 2007.[2]
3. حسن حسني عبد الوهاب: شهيرات التونسيات : بحث تاريخي أدبي في حياة النساء النوابغ بالقطر التونسي من الفتح الإسلامي الى الزمان الحاضر، الطبعة: ط. 4 ، تونس ، مكتبة المنار — د.ت ، ص 156.
راشد الغنوشي: المرأة بين القران وواقع المسلمين، [4]
محمد رضا الاجهوري: الخلفية الاسلامية لمجلة الاحوال الشخصية، دار المعالي للنشر ، تونس 2012 ، ص 12[5]
وفاء مطر / حميدة بالسعد