17 Février 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F02%2F35193_1_1347105590.jpg)
انقلاب ضد الانقلاب مقال للاستاذ لزهر صقري
انقلاب؟نعم.لكن بأيّ معنى؟و ضدّ مَن؟ أجد فيما يخصُّني صعوبة في فهم معنى الانقلاب بالطّريقة التي يتمّ تسويقُها عند عدد من السّياسيّيّن و هواة السّياسة أي ارتماء حمّادي الجبالي في أحضان الثّورة المضادّة باختيارِه حكومة الكفاءات كما لو كان الرّجلُ فيما قبل يرفع عاليا رايات الثّورة و استحقاقاتها أو كما لو كانت الكفاءات تعني آليّا الانقضاض على ما تبقّى من رأسمال ثورة أتلفه المتكلّمون باسمِها بنفس مقدار ما أتلفه أعداؤها. أكتبُ هذه الكلمات و أنا لا أعتبر الجبالي ثوريّا بأيّ حال من الأحوال مثلما لا أعتبره خصما صريحا للثّورة.و هو وصف ينطبق على معظم الطّبقة السّياسيّة الصّامدة بعد سقوط ابن علي.بل أكاد أقول إنّ التّكلّم باسم الثّورة و الوجود في موقع “الدّفاع” عنها مثّل على الدّوام عبئا ثقيلا ناء به رئيس الحكومة و بدا لي أنّه مع مبادرتِه بصدد العودة إلى مضماره الذي يُتقن الجري فيه:السّياسة في مفرداتها البرغماتيّة البحتة الخالية من سرديّات المبدأ الثّوري. مبادرة حمّادي الجبالي تُقرأ داخل الحساب السّياسيّ الواقعيّ المعقّد. و بغضّ النّظر عن نجاحها النّسبيّ أو فشلها النّسبيّ (لا يوجد في اعتقادي احتمال آخر خارج الممكنات الواقعيّة) يُمكن ذكر بعض الثّوابت التي تمخّضت عنها. أوّل هذه الثّوابت أنّها تُمثّل مجابهة انقلاب بانقلاب.فقد كان اغتيال شكري بلعيد المأساوي منطلقا لموجة عارمة تُريد العصفَ بكلّ شيء.و لم تكن جملة السّبسي عن حلّ التّأسيسيّ زلّة لسان و إنّما كانت ضمن مسار انقلاب حقيقيّ لم تكن الجبهة الشّعبيّة فيه و حمّة الهمّامي إلّا الواجهة. مبادرة الجبالي عشيّة الاغتيال حقّقت أمرين مجتمعين أحدُهما إفراغ الانقلاب من أبعاده التّعبويّة و تنفيس المناخ المتوتّر الذي يصلح غطاء “يُشرّع” لجميع الأعمال الحمقاء بما في ذلك ظهور “المنقذ” المخلّص من “معركة الأحزاب”؛و ثانيهما إنجاز انقلابه الخاصّ على حكومته الشّرعيّة و هي في أضعف أحوالها حتّى تنطلق يدُه في ممارسة “السّياسة الواقعيّة” التي يُتقنها. ثاني هذه الثّوابت أنّ مبادرة الجبالي تُمثّل عودة إلى تونس 13جانفي و الأيّام التي بعدها،تونس أحمد نجيب الشّابّي التي تعجّل الرّجلُ في إعلان قيامِها فقُتِل لتنتقل “مبادرتُه” إلى “قاتلِه” ضمن ظروف جديدة فيها قابليّة أكبر لل”عقل”. ثالث هذه الثّوابت أنّ المبادرة إعلان عن هزيمتين متزامنتين:هزيمة الحكومة و أحزابها في تأسيس الشّرعيّة بالمعنى الحقيقيّ للتّأسيس، لا بمجرّد الأصوات الانتخابيّة و لغة الأغلبيّة؛و هزيمة “المعارضة” في مشاريع إسقاط الحكومة في كلّ المحطّات المشهورة. توازن الضّعف هذا أوجد فراغا حقيقيّا ملأه حمّادي الجبالي بمبادرتِه فأنقذ المسار السّياسيّ و الانتخابات المنبثقة عنه-ليس دون ثمن:إضعاف المجلس التّأسيسيّ و رفع الغطاء التّدريجيّ عن روابط حماية الثّورة- و صنع وفاقا مع معظم الأحزاب السّياسيّة عبر تبنّي مطالبها=افتكاك زمام المبادرة منها فأمكن بذلك تهميش الجبهة الشّعبيّة تهميشا كاملا و تحييد الاتّحاد نسبيّا و إضعاف “الحليفين” المزعجين المؤتمر و التّكتّل و اصطناع وفاق سياسيّ قد يكون مقدّمة لتقوية وزن السّياسيّيّن في لحظة ضعُف فيها رجل السّياسة عامّة أمام تغوّل العسكريّ و النّقابيّ من جهة و تغوّل السّلفيّ و صنّاع الفوضى من جهة ثانية. رابع هذه الثّوابت أنّ المبادرة مدخل إلى إعادة بناء النّهضة و إخراجها من أقنعة الثّوريّة التي لبستها دون أن تصدّق نفسَها و دون أن يُصدّقها أحدٌ إلى مستقبلها الممكن في أن تكون حزبا سياسيّا إصلاحيّا لا مجرّد كثرة عدديّة و هيكل تنظيميّ قويّ دون أطروحات جامعة في مستويي الإصلاح الدّينيّ و الإصلاح السّياسيّ.