28 Janvier 2013
حيرة مواطن...بقلم محمد أمين العويان
تتالى الأحداث و المستجدات الساخنة بالبلاد التونسية بصفة متسارعة و ملفتة للانتباه لتضفي على المشهد العام في كل مرّة مزيدا من التعقيد و الضبابيّة يعجز المواطن البسيط عن تحليل أسبابها و استيعاب نتائجها لاسيّما و أنه أصبح في خضم هذه التقلبات الانتقالية المتتالية مستهدفا في أمنه و قوت يومه دون شعور منه بتحسن للأوضاع و لو بشكل جزئي.
و لعلّ التقلّب السياسي الحاصل على مستوى الأحزاب و على مستوى التركيبة الحكومية التي لم تجد لحد الساعة توازنها زاد من حدّة هذا التوتر العام و عمّق تدريجيّا الفجوة بين ما هو مرغوب فيه من انفراج اقتصادي و اجتماعي و بين ما هو محققٌ من حريّة تعبير و نشاط و غيرها من حريّات كانت مغيّبة و مقموعة في النظام السابق رغم نسبيّة تحقق هذه الأخيرة لدى العديد من المواطنين.
فالمتابع الموضوعي لمستجدات الأمور يُدرك جيدا أن هذا الاحتقان الحالي الذي تشهده البلاد و ما يرافقه من صراعات علنية و مخفية ما هو في حقيقة الامر الاّ بصراع حزبيّ طائفيّ ساعد في تأليب القوى الجماهيرية بمختلف أطيافها و أفكارها على بعضها البعض ليساهم بذلك في التصعيد من وتيرة أحداث خطيرة متجددة متنوعة يسعى على اثرها كل طرف لكسب نقاطها على حساب الاخر و يقف في دواماتها و متاهتها ذلك المواطن البسيط عاجزا عن فهمها و تفسير أسبابها و نتائجها.
و لانّ المواطن التونسي العاديّ العازف عن كلّ صراع و تجاذب سياسيّ يكتفي بمقارنة ما سمع من الوعود الثوريّة الانتخابيّة بما يلمحه من غلاء للمعيشة و اضطراب مستمرّ يهدد أحيانا أمنه و أمن أطفاله فانّه من غير المستغرب في هذه الحالة أن تراه ساخطا على الوضع و حتى على الثورة من دون فهم او تحليل متمنيّا في بعض الاحيان رجوعا الى الوراء : رجوعا لزمن يحصل فيه على الامن المستطابِ الاّ اذا ما كمّمَ فاهه و رضي بما اتاه و بما لم يأته.
و من هنا تحديدا يبدأ خطر التدحرج و الانزلاق في مستنقع الندم اللاواعي و الفكر الانهزامي الذي لا يعالج الاّ بشفافيّة و مصداقيّة حقيقيّة تغيب و للأسف الشديد عن كافة الاطياف السياسيّة تقريبا لانغماسها الأعمى في زرع الالغام لبعضها البعض من اجل استحقاقات سياسيّة لا غير مفتقدة طبعا لبرامج اصلاحيّة تنمويّة و غير حاملة في جعبتها سوى توجهات و ايديولوجيات تسعى كل منها لسحق الاخر و تأليب أنصارها على أعداءها متناسيتا طبعا القضاء على الفقر و الفساد و كل أشكال البناء و الاعمار.
انّها لعبة الكراسي و النفوذ اذن : لعبة انتقاليّة و فرصة ذهبيّة يسعى كلّ طيف فيها الى فرض هيمنته و افكاره كلّ حسب الياته و امكانياته. انّها السياسة و منهجها و استراتيجيات التحّكم و طرقها : الكل فيها عدوّ للأخر و ان رأينا الأيادي مشتبكة ببعضها البعض و ان رأينا الابتسامات في وجوه بعضهم البعض و ان رأينا التحالفات و التكتلات, ليبقى في نهاية الأمر ذلك الفقير البسيط الباحث عن قوته و أمنه ضحيّة لحسابات و اختلافات ضيّقة تسعى إما لقمع فكره باستدراجه لفكرها أو لكسب صوته بإقناعه برأيها.
محمد أمين العويان