1 Février 2013
/http%3A%2F%2Fi3.ytimg.com%2Fvi%2FW2A20xoZlP0%2Fhqdefault.jpg)
خطبة جمعة 01 فيفري 2013 - 20 ربيع الأنور 1434 : آفــــــة اللّســــــــــان (مكتوبة)
الشيخ الأستاذ : خالد التلمودي
صفحة : جامع الصبر خزامة الغربيّة سوسة
www.facebook.com/Assabr.Sousse
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس،اتقوا الله تعالى حقَّ التقوى.عبادَ الله، ممّا ميّز الله بني الإنسان عن سائرِ الحيوان نعمةُ اللسان، فاللّسان الذي ينطِق به الإنسان نعمةٌ تفضّل الله بها عَليه، فبهذا اللسان يعبِّر عمّا في نفسه، فيردّ به الجوابَ، ويبيِّن به ما يريد، قال الله جل وعلا: أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ البلد:8، 9هذا اللسان نعمةٌ عظيمَة من نِعَم الله على العبد، ولكن إن وُفِّق العبد لأن يسخِّر هذه الجارحةَ لما فيه الخير والصلاحُ سعِد به في دُنياه وآخِرتِه، وإن انحرفَ به عن منهج الله خسِر الدّنيا والآخِرة.
هذا اللسان ينطِق بأصلِ الإسلام وأساسه، فكلمةُ التوحيد “لا إله إلا الله” خيرُ قولٍ وأفضله،يقول:”الإيمان بِضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله” رواه البخاري
. فإنّ من أركان الإيمان النطقَ باللسان، فينطِق بكلمةِ الإسلام التي يخرُج بها من دائرةِ الكفر، ويدخل بها دائرةَ الإسلام.هذا اللسانُ ينطِق بالخير على اختلافِ أنواعه، لاَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ ٱبْتَغَاء مَرْضَـٰت ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].
أجل أيها المسلم، بهذا اللسان يأمر بالمعروف، فيأمُر بلسانه بالمعروف، وينهَى بلسانه عن المنكر، وبه يدعو إلى الله وإلى دينِه، ويُوضح الحقَّ ويبيِّنه، وبه يتلو كتابَ الله ويقرأ سنّةَ رسول الله، وبه التسبيحُ والتكبير والذِّكر لله، فلا يزال لسانُ المسلم رطبًا من ذكرِ الله، تسبيحًا وتكبيرًا، تحميدًا وتهليلاً، فالباقيات الصالحات: سبحانَ الله والحمد لله ولا إلهَ إلا الله والله أكبر؛ ولذا كان من دعاءِ نبيِّنا: ” اللهمّ إني أسألك قلبًا سَليمًا ولِسانًا صادِقًا ” رواه أحمد هذا اللسانُ الصادق يقول الخيرَ وينطق بالخير، فما بين دعوةٍ إلى الله، وأمرٍ بمعروف ونهي عن منكر، وإصلاح بين متنازعَين، وحثٍّ على أبواب الخير، وترغيبٍ في أبواب الخير، وتحذير من الشرِّ ووسائله.هذا اللسانُ إذا كان صادقًا رأيتَ له جولاتٍ في ميادين الخير كلِّها، فيسعَد به صاحبه وتعلو به منزلتُه وترتفع به درجته.
أخي المسلم، هذا اللسانُ إمّا شاهِد لك بالخير، أو شاهدٌ عليك بضدّه، فإن وجد داعيا إليه تكلم، وإلا فالصمت أولى به، وإعراضه عن الكلام حيث لا ضرورة له عبادة جزيلة الأجر..قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه : والذي لا إله غيره ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان…
أيّها الإخوة الكرام ، لنتأمل في هذا الحديث العظيم في الصحيحين من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : « إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم » رواه البخاري. ولقد جاء التأكيد العظيم على حفظ اللسان” مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ” وأيضا جاءت تلك الوصية العظيمة « يا معاذ كف عنك هذا وأخذ بلسانه .. وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» رواه الترمذي ..
ولخطورة هذا الأمر وعظمه فقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في حفظهم لألسنتهم: فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: إن هذا أوردني الموارد . رواه مالك، وقال ابن بريده: رأيت ابن عباس آخذا بلسانه وهو يقول: ويحك قل خيرا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم وإلا فاعلم أنك ستندم قال: فقيل له:يا ابن عباس لم تقول هذا؟ قال: إنه بلغني أن الإنسان ليس على شيء من جسده أشد حنقا أو غيظا يوم القيامة منه على لسانه إلا ما قال به خيرا أو أملى به خيرا،
فليتّق المسلم ربَّه في لسانه أن يقولَ باطلاً، يدعو إلى ضلالة، يدعو إلى الكفرِ والضّلال، ويقول الباطلَ والسوء، ويتكلَّم بلسانه بأمورٍ لو يدري عن عواقِبِها لأمسكَ عنها.
ولقد جَرَّأ الإعلام اليوم الناس على التحدث فيما لا يعنيهم, وذلك من خلال متابعة الحوارات والمقابلات والمقالات, فيتغير بعض الجهّال فيتحدث بحديث أولئك القوم, وقد يكون حديثهم كفراً أو بدعة أو فسقاً, أو وقوعا في اعراض النّاس ،وخاصّة العلماء والدّعاة ،، ويقابل ذلك بالتّأييد والتّصفيق أو الضّحك والاستهزاء ويحسبونه هيّنا وهو عند الله عظيم .
وقد دخل النار أقوام , فقيل لهم: ما سللكم في سقر, قالوا لم نك من المصلين , ولم نك نطعم المسكين, وكنا نخوض مع الخائضين, وما أكثر الخوض في هذا الزمان, وما أكثر نقل الأخبار دون التروي في صحتها, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:” كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع” رواه مسلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:” قال إن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان قالوا يا رسول الله وما الأجوفان قال الفرج والفم ” رواه الإمام أحمد.
أيّها المسلم، إن آفاتِ اللسان كثيرة، فأعظمُ آفاته وأشرّها أن ينطِقَ بالكفر، ينطقَ بالضلال، ينطقَ بكلماتٍ تضادّ الإسلام، وتحارب الإسلام، ولا تتّفق مع مبادئِ الإسلام.كأن يتّهم القرآن بالنّقص والتّناقض ، أو يتّهم النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم أو يستنقص قدره.أو أن ينطقَ بكلماتٍ فيها سخريّة،واستهزاءٌ بالله، وسخريّة بدينِه، وتنقُّصٌ لعِباد الله المؤمنين.أو أن يسخرَ بمبادئ الإيمان، وينتقصَ أخلاقَ الإسلام، ويزدريَها، ويزعُم أنها أخلاقٌ رجعيّة قد مضى عليها الزّمن، فلا تطابق هذا العصرَ ولا تناسبه، يسخَر بالإسلام بلسانِه، فيتفوَّه بكلماتٍ كلُّها خطأ وضَلال وبُعد عن الهدَى والعياذُ بالله،ثمّ يشاع هذا الكلام وتلوكه الألسن البذيئة وتقرّها الأنفس المريضة، قال تعالى:. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور:24]. وأنت مسؤولٌ عن ألفاظك كلِّها، ومهما عرفتَ المراوغةَ فالله عالم بسرّك وعلانيتِك، يَعْلَمُ خَائِنَةَ ٱلأعْيُنِ وَمَا تُخْفِى ٱلصُّدُورُ غافر:19].
أيّها المسلم، كم من كلماتٍ يتفوّه بها بعض الناس ولا يدرِي أنه يزِلّ بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب،
فاتَّقِ ربَّك ـ أيّها المسلم ـ فيما تنطِق به من كلمات، زِنْها، وحاسِب نفسَك: هل ما قلتَ حقّ تنصُر به الإسلامَ وأهله، أو ما قلتَ باطل تحارِب به الإسلامَ وأهلَه
أسأل الله أن يعينَني وإياكم على شكرِه وذِكره، وأن يجعلَنا من المتّقين الذين يستمِعون القول فيتّبعون أحسنه.
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفورُ الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبّ ربّنا ويرضى، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.
أمّا بعد: فيا أيّها الناس، اتقوا الله حقَّ التقوى.عبادَ الله، يقول المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: “المسلِم من سلِم المسلمون مِن لسانه ويده“فالمسلِم كامِل الإسلامِ مَن سلم المسلمون مِن شرِّ لسانِه، فليس مغتابًا لهم، ولا نامًّا بينهم، ولا كاذبًا عليهم، ولا شاهدَ زورٍ، ولا ساخرًا بهم، ولا مستهزئًا بهم، ولا باثًّا إشاعاتٍ كاذبةً عنهم، ولا راميًا لهم بالعظائِم، ولا متَّهِمًا لهم بما هم برآء منه.
كم يحمل الحسدُ أناسًا على التحدّث عن الآخرين، يتحدّث عنهم محاوِلاً أن يوقِع الناسَ في الطعن فيهم وتتبّع زلاتهم وعثراتهم، ما كفاه ما في قلبِه من المرض، ولكنه إذا جاءَ المجالسَ تحدّثَ عن مساوئِ فلانٍ ومعائب فلان، وما أُخِذ على فلان، وما قيل عن فلان، بأشياء هي غيرُ واقعه، لكن في قلبِه مرض الحسدِ والحِقد، يريد أن ينفِّسَ عن نفسه، فيجعَل الآخرين يشارِكونه ويشاطِرونه أخطاءَه وآثامه، فلنحذَر من أولئك، ولا نفتَح المجالَ لهم ليقولوا في الناس ما ليسَ فيهم.
إنّ المسلمَ يحمي نفسَه، يحمي لسانَه أن يتحدَّث عن الآخرين بما لا عِلمَ له به، وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً الإسراء:36]. لو كان فيك خيرٌ لنصحتَ، ولو كان فيك خير لوجّهتَ، ولو كان فيك خير لهدَيتَ إلى الطريق، ولكن لمَّا انعَدم الخير من نفسِك أردتَ أن تنفِّس عن حسَدِك وحِقدك وبغضِك وكراهيتك للآخرين وشماتتِك بهم، أن تتحدّث بلسانك عن مصائبِهم ونقائصهم؛ لأجل أن تشركَ الناس في إثمك، وتشركَ النّاس في أخطائك. فلنتَّق الله، ولنطهّر مجالسَنا من هؤلاء الذين يحبّون الطعنَ في الأمّة، قال جل وعلا: إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [النور:19].
واعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ أحسنَ الحديث كتاب الله، وخير الهديِ هدي محمّد ، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.
وصلّوا ـ رحمكم الله ـ على محمّد كما أمركم بذلك ربّكم، قال تعال: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدِك ورسولك محمّد، اللهم اجعل في قلوبنا نوراً وفي ألسنتنا نوراً وفي أسماعنا نوراً وفي أبصارنا نوراً برحمتك يا أرحم الراحمين .اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت .اللهم طهر قلوبنا من النفاق وألسنتنا من الكذب والفحش يا رب العالمين .اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
اللهمّ إنّا نعوذ بك من جهد البلاء ، ودرك الشّقاء ،وسوء القضاء وشماتة الأعداء ، نعوذ بك يا ربّنا من عقوق الأبناء ، ومن قطيعة الأقرباء ،ومن جفوة الأحياء ،ومن تغيّر الأصدقاء ، نعوذ بك يا ربّنا من بطر الغنى ومن مذلّة الفقر ، ومن الكبرياء والاستعلاء على الفقراء والضّعفاء ،
اللهمّ اجعلنا من الشّاكرين لآلائك ، الصّابرين على بلائك ، النّاصرين لأوليائك ، اللهمّ لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا
اللهمّ إنّا نعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، ومن دعاء لا يسمع ،ومن نفس لا تشبع ، نعوذ بك يا ربّنا من الخيانة فإنّها بئسة البطانة ، نعوذ بك من نزلّ او نزلّ أو نضلّ أو نضلّ أو نظلم أو نظلم ، أو نجهل أو يجهل علينا ، نعوذ بك من الجبن والبخل ومن الهرم ومن أن نردّ على أرذل العمر ، ومن فتنة المحيى ومن فتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجّال ،
نعوذ بك اللهمّ من عثرات اللّسان ومن غفلات الجنان ونسألك اللطف فيما قضيت ، والمعونة على ما أمضيت ، ونستغفرك من قول يعقبه ندم ، او فعل تزلّ به القدم
اللهمّ إنّا نسألك يسرا ليس بعده عسر ، وغنى ليس بعده فقر ، وأمنا ليس بعده خوف ، وسعادة ليس بعدها شقاوة ، بل بعدها رضوانك والجنّة ،
اللهمّ اشف مرضانا وارحم موتانا وعاف مبتلانا ، فكّ أسر المأسورين ،وانصر إخواننا المجاهدين في كلّ بلاد المسلمين ، وارفع راية الإسلام عالية خفّاقة ، ونكّس راية الشّرك والظّلم والطّغيان فأنت القادر على ذلك ونحن لا حول ولا قوّة لنا إلاّ بك ، اللهمّ ارحم والدينا وجازهم عنّا خير الجزاء ورضّهم وأرضهم عنّا ، واكتب النّجاح والتّوفيق والسّداد لأبنائنا أجمعين ، في حياتهم وامتحاناتهم ، وجازي المتصدّقين والمحسنين خير الجزاء ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين
عباد الله إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعضكم لعلّكم تذّكرون