16 Février 2013
الشيخ الأستاذ : خالد التلمودي
صفحة : جامع الصبر خزامة الغربيّة
www.facebook.com/Assabr.Sousse
موقع الصدى الإلكتروني : www.al-sada.net
تصوير : أبو رضـــا
الإمام: خالدالتّلمودي التّاريخ : 15 فيفري ـ2013
جامع الصّبر بخزامة الغربيّة 05 ربيع الثّاني 1434
الأخذ بأسباب النّصر
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وهدى قلوبنا للإيمان، ونوَّر بصائرنا بالقرآن؛ وأشهد ألا إله إلا الله، تعهد بحفظ كتابه من التحريف والبطلان، وتكفَّل برفعة دينه على سائر الأديان. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بشَّر أتباعه بالتمكين في الأرض على سائر الأنام، ووعدهم بفتح القرى والبلدان، صلى الله عليه وعلى صحابته الأخيار الأبرار، وعلى آله الطيبين الطاهرين, أولي الفضل والإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة:197].
عباد الله: إن مَن يَرَ واقع أمتنا اليوم وأحوالها، وتسلُّطَ الأعداء على كثير من بقاعها, عسكرياً، أو ثقافياً،ومن يرى واقع بلدنا بالذّات، فقد يصيبه الإحباط، ويظنّ أن هذه الأمة قد هلكت.وهذا ما جاء الشرع بذمّه؛ فعن أَبي هريرة -رضي الله عنه-, أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “إِذَا قَالَ الرجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أهْلَكُهُمْ” رواه مسلم.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب الفأل الحَسَنَ؛ فليحذر المسلم من مجالسة المتشائمين والمحبطين, حتى لا تنتقل هذه العدوى وتسري إليه، فهي داء قتّال, تصيب المرء بالشّلل النفسي، والتخبط الذهني. إن هذا الدين العظيم, موعودٌ بنصر من الله، وتمكين في الأرض.،وإنّ أتباعه هم الغالبون.
ومن أعظم الدلائل على عظمة هذا الدين أنه أشدُّ ما يكون قوة, وأصلبُ ما يكون عودا, وأعظم ما يكون رسوخاً وشموخاً؛ حين تحيط به الأزمات, وتُوصد عليه المنافذ؛ حينئذ يحقق الإسلام معجزتَه, ويَنْبعث المسلمون من رقادهم, ويتدفق الدم في عروق أبنائه؛ فتتحقّق الصّحوة, ويفيق الغافل, ويتشجّع الجبان. إن هذه الأمة تمرض لكنها لا تموت, وتغفو لكنها لا تنام, وتخبو لكنها لا تنطفئ أبداً.
أيّها الإخوة الكرام ليس هذا الكلام إنشائيّ ولا شاعريّ بل يستند إلى الحجّة والبرهان، يستند إلى الوقائع والأحداث الدالّة .والأمثلة على ذلك كثيرة،منها:
ــ فبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ارتدت الجزيرة العربية بكاملها إلا ثلاث مدن وقرية: المدينة ومكة والطائف، وقرية هجر بالبحرين، ولم تكن الردة بمنع الزكاة فقط، بل ارتد كثير من الناس عن الإسلام بالكلية، ومنهم من فتن المسلمين في دينهم، ومنهم من قتل المسلمين، بل إن منهم من ادعى النبوة، وعمّ الكفر جزيرةَ العرب، فكان الموقف أشدّ مما نحن فيه الآن ألف مرة، حتى قال بعضهم: يا خليفة رسول الله، لا طاقة لنا بحرب العرب جميعاً!.
فهل انتهى أمر الإسلام؟ لا؛ بل قام الصديق -رضي الله عنه- وقام معه المسلمون، فما هو إلا عامٌ من الجهاد والقتال والنّزال، حتى أشرقت الأرض من جديدٍ بنورِ ربها، وأسلمت الجزيرة العربية بكاملها، بل واتَّخَذ أبو بكر الصديق قراراً لا يخطر على البال! وهو إخراج جيشين من جزيرة العرب: جيش لفتح بلاد فارس، وجيش لفتح بلاد الروم.
عجبا لإيمانه ويقينه بالله! دولة صغيرة لم تلتئم جراحها من حروب الردة تواجه دولتين تقتسمان العالم: فارس والروم! لكنه اليقينُ بوعد الله: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم:47]. وقد تحقّق لهم النّصر بإذن الله
ــ عباد الله: إن قراءةً متأنيةً لتاريخ الصليبيين وبيت المقدس تعطي الأمل بأن الواقع سوف يتغير, ففي سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة 492 للهجرة دخل ألفُ ألفِ مقاتل بيتَ المقدس, وصنعوا فيه ما لا تصنعه وحوش الغاب, لبثوا فيه أسبوعا يقتلون المسلمين حتى بلغ عددُ القتلى أكثر من ستين ألفا, منهم الأئمة والعلماء والمتعبدون.
وكانوا يُجبرون المسلمين على إلقاء أنفسهم من أعالي البيوت لأنهم يشعلون النار عليهم وهم فيها, … فذهب الناسُ على وجوههم وتباكى المسلمون في كل مكان لهذا الحدث، وظن اليائسون ألّا عودة لبيت المقدس أبداً إلى حظيرة المسلمين.
فهل انتهى دين الإسلام؟ لا, بل تمضي الأيام, وتدور الأعوام, وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة للهجرة583 أعد صلاح الدين جيشا لاسترداد بيت المقدس, ودخل المسلمون بيت المقدس، وطهروه من الصليب ، ونادى المسلمون بالأذان, ووحدوا الرحمن, وارتفعت الدعوات, وتنزلت البركات, وتجلت الكُرُبات, وأُقِيمت الصلوات, وأذن المؤذنون, وخَرَسَ القسيسيون.
ــ وحين غزا التتار ديار المسلمين ودخلوها كالريح العقيم، ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم, دمروا المدن, وخربوا العمران, وأسالوا الدماء, وعطلوا الصلوات.
ـــ والفاجعة الكُبرى التي حلّت بالمسلمين بسقوط بغداد سنةَ ستٍّ وخمسينَ وستِّمائة656، وقَتْلِ الخليفةِ العباسيِ، وسفكِ دماءِ الأبرياء، وهي فاجعةٌ تضاهي ما سبقها؛ بل تزيد.فظن اليائسون حينها أن راية الإسلام نُكِسَتْ, ولن ترتفع بعد ذلك اليومِ أبداً, وأن أمةَ الفتح والنصر قد حقَّت عليها الهزيمة, ولن تعود إلى الميدان من جديد.ولكن لم تمض سوى سنواتٍ حتى تحققت معجزة الإسلام, فإذا بهؤلاء الجبابرة الغازين للإسلام, يغزوهم الإسلام, فيدخلون في دين الله أفواجا, وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) [فاطر:44].
فمهما رأينا في واقعنا اليوم من المآسي، فهي لا توازي شيئاً مما مرّت به الأمة قبل ذلك,ولكن اعلموا أيّها الإخوة الكرام أنّ الهزائم المتتالية كانت نتيجة تقصيرنا في حقّ الله وأنّ النّصر والفتح كان بيد الله على إثر عودتنا إلى الله ، وهذا أعظم درس يستفاد من التّاريخ …
إذا لن يتغيّر واقعنا إلى الأفضل إلاّ بالأخذ بالأسباب ، ولا تتصوّروا أنّ أعداء الإسلام على مختلف مشاربهم وألوانهم ، هم الذين سيهزمون هذا الدّين ، فدين الله أرقى وأسمى من أن تناله الأيدي العابثة ، بل هم الشّعلة التي توقد فينا حبّنا لديننا ولنبيّنا صلّى الله عليه وسلّم والأحداث ناطقة بذلك والقرآن قد عبّر عن ذلك:” لا تحسبوه شرّا لكم بل هو خير لكم”،فبالإسلام يجب أن نحيا ، وبه نخطّط ،وبقيمه نتعامل فإن الإسلام الذي نهض بالعرب قديما ، فجعلهم طليعة علمية، وطليعة خلقية، جعلهم أفقا روحيا صافيا نقيا، جعل قدرتهم المادية ونشاطهم العام موضع الاحترام في كل مكان،بذات هذا الإسلام الصّافي، يمكن أن تسترجع الأمّة كرامتها وعزّها وتفوّقها،،،،، إلا أن المسلمين الآن لمّا أرادوا العودة إلى دينهم ضل بهم الطريق، ولم يحسنوا العودة لأنهم أحبوا أن يأخذوا الدين قشورا لا أن يأخذوه عقلا نقيا وخلقا سنيا وقلبا موصولا بالله يستمد منه ويلجأ إليه،اعتبروا الإسلام شكلا لا مضمونا ،ومظهرا لا مقصودا..كما أنّهم لم يراعوا متغيّرات الواقع الذي ننتمي إليه
فما المطلوب إذا وما البديل ؟؟؟المطلوب اليوم ،لكي نحقّق النّصر بالإسلام أن نعيد النظر في سياستنا التربوية والجماعية، والأخلاقية والسلوكية، والعلمية والثقافية؛ وهذا الأمر يتطلّب عملا دءوبا وجهدا جهيدا وكفاءات من ذوي الاختصاص، والذين يخشون الله تعالى،والذين قد تمرّسوا بالواقع في تخصّصهم.ولكي تصل الرّسالة أضرب لكم مثلا من أعداء الإسلام:فاليهود قد خططوا لأخذ القدس وفلسطين،منذ سنة 1898 ، ووضع أولئك الناس خطة لخمسين سنة، ومعنى ذلك أنهم بذروا وتركوا لأولادهم ولأحفادهم أن يحرثوا البذر، وأن يحققوا النتائج.وهذا يذكّرنا بالقولة المشهورة :” زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون” هم عملوا بها ونحن فرّطنا فيها ، أصبحنا اليوم نزرع لأنفسنا ونأكل لأنفسنا فلا توضع عندنا خطط من هذا النوع، الخطط عندنا لخمسين يوما لا لخمسين سنة، هذا إن وضعت خطة، الخطط سريعة مرتجلة فيها قصور الطفولة وقصور الفكر، وجاء هؤلاء إلى فلسطين، ودرسوا كل شبر من الأرض، عرفوا المياه الجوفية هنالك، وعرفوا مهاب الريح والقدرة على استغلالها كطاقة هوائية، بل الآن الطاقة الشمسية -تقريبا- تملأ مدن فلسطين، ما السّبب؟ هؤلاء درسوا الحياة،ولكنّهم لم يهملوا دينهم، التّورات تدرّس في كلّ المراحل،أمّا نحن فمادّة التّربية الإسلاميّة جانبيّة ، ومهمّشة: حصّة في الأسبوع، وتلغى تماما في الشّعب العلميّة،لأنّها تتناقض مع سياسة الدّولة،،،، وحتّى الحكومات الغربيّة الللائكيّة ، تعطينا المثال في الانضباط والعدل ، فحكومة هولندا مثلا، استقالت منها الملكة واختفت عن الأنظار، لم؟ لأن زوجها اتهم في قضية رشوة!زوجها ليست هي،،،، أترى ربَّكَ يَهْزِمُ هؤلاء الذين يحسّنون الحسن، ويقبحون القبيح، ويحقرون الرشوة، ويحكمون على المرتشين -ولو كانوا ملوكا- أن يختفوا؟ أترى ربك يهزم هؤلاء المتمسّكين بدينهم ولو كانوا على باطل ؟ويترك المسلمين الذين ليس لهم من الإسلام إلاّ اسمه ، أو شكله ؟ يترك الملوك أصحاب الفخامة تمتلئ خزائنهم بالمال الحرام من كل ناحية؟! وما يجرؤ أحد أن يقول لهم شيئا! أترى ربك يهزم هؤلاء ويقول للمسلمين: احكموا العالم بإباحة الرشوة ، والرّبى ، بإشاعة الفاحشة والفتن ؟ كيف يتحقٌّ النّصر للمسلمين وبأسهم بينهم شديد ؟
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون, وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.