25 Janvier 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F01%2F575297_398439603523928_1372239938_n.jpg)
الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم رسول الله سيِّد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، ولطف بنا فيما جرت به المقادير، إنك على كل شيءٍ قدير، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون… إنّنا في الشهر الذي ولد فيه النبيّ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ، ربيع الأنور نزداد فيه حرصا على بيان عظمة هذا الإنسان الذي خلّد الله ذكره ورفعه إلى اعلى علّيين في الأوّلين والآخرين، فالنبي عليه الصلاة والسلام جمع الفضائل كلَّها، وجمع الكمالات كلها، وكان الإنسان الكامل الذي جعله الله بحقٍ قدوةً لنا،في جميع جوانب الحياة ،أمّا ما سأخصّه بالذّكر اليوم فهو الإنسان القائد وهذا هو عنوان خطبة اليوم.
يا أيها الإخوة…إن كل إنسانٍ بشكلٍ أو بآخر قد ولاَّه الله أمر فئةٍ من الناس، والحد الأدنى هو الأب الذي ولاَّه الله أمر أبنائه، معلِّم المدرسة،ومديرها ، والموظف الكبير الذي تحت يده عشرات الموظَّفين،ثمّ المسؤول الأوّل في الحكومة ،فمنصب الزعامة منصبٌ متكرِّر في حلقاتٍ دنيا وحلقاتٍ كُبرى، فإذا عرفنا كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام زعيماً، و قائداً، تعلَّمنا منه الشيء الكثير، قال عنه كُتَّاب السيرة: ” كان عليه الصلاة والسلام يُحَسِّن الحسن ويقوِّيه، وكان يقبِّح القبيح ويوهِّنه ـ أي يضعفه ـ كان معتدل الأمر غير مختلف، أي بعيدٌ عن التطرُّف “.
الحق وسطٌ بين طرفين، والفضيلة وسطٌ بين طرفين، والاعتدال سمةٌ أساسيةٌ من سمة هذا الدين الحنيف، وقد عبَّر عنها بعض العلماء بالوَسَطِيَّة، وقد أكَّدوا ذلك بقوله تعالى:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ سورة البقرة: من آية ” 143 “
فكان عليه الصلاة والسلام بعيداً عن التطرُّف، كان معتدل الأمر غير مُخْتَلِف، لكل حالٍ عنده عتاد ؛ أي لكل حالٍ موقفٌ خاص، و تصرفٌ خاص، وهذا ما عبَّر عنه العلماء بالحكمة، أن تفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، مع الشخص المناسب. كان يليه من الناس خيارُهُم، وأفضلهم، وأعظمهم عنده منزلةً أحسنهم أخلاقاً، كان لا يقرِّب إلا من كان ذا خلقٍ حسن، لأن أقرب الناس إليه قد يوصف بهم، وقد يحبُّه من يحبه من خلالهم، فكان يقرِّب أصحاب الأخلاق الحسنة لأنهم مرآةٌ لهم، ولأنه من خلالهم يتعرَّف الناس إليه.
أيها الإخوة الأكارم… كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، فزعامته لم تأتِ من قوَّته بل أتت من فضائله، وفرقٌ كبيرٌ جداً أن تأتي الزعامة من القوة وبين أن تأتي من الأخلاق الفاضلة، كان يخالط أصحابه، وكان كل واحدٍ منهم يظن أنه أقرب الناس إليه، وكان يصبر ويصابر، أي يصبر على جفوة القوم ويأمر أصحابه بالصبر، والصبر علامةٌ أساسيةٌ من علامة القيادة الناجحة، لأن الأتباع مختلفون في أمزجتهم، في تصرُّفاتهم، في مواقفهم، في حُسْنِ فَهْمِهِم، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يصبر ويصابر.
كان أيها الإخوة، كان ذا إشعاعٍ قوي، هذا الإشعاع الروحي القوي كان يؤثِّر به في خصومه قبل أتباعِه، هذا الإشعاع الروحي القوي أساسه عفَّته، وزهده، وتواضعه، وبساطته، البساطة، والزهد، والتواضع، والعفَّة، والاستقامة تعطيان الإنسان قوةً في التأثير، وقوةً في الجَذب، وقوةً في الإشعاع.
أوتي الصبر الطويل على المكاره المتصلة، فلم تضعف له عزيمة،و لم يخضع أمام العقبات، لم يستسلم، لم ييأس، قوة الشكيمة، وقوة الجَلَد، وقوة الصبر هذا من خصائص زعامته صلى الله عليه وسلَّم.
ارتفع بين أصحابه بالفقر والتواضع، لا بالمال والثراء، كان يعود المريض، ويَقْبَل دعوة العَبْد، ويدعو أصحابه بأحب الأسماء إليهم، ويخفِض جناحه للمؤمنين، وهو سهلٌ في أخذه وعطائه، وكان الأعرابي يدخل عليه فيناديه باسمه مُجَرَّداً، يقول: يا محمد، فيحلم عليه، ويعطف عليه، وبلغ من بساطته صلى الله عليه وسلَّم أن الداخل عليه لا يعرف أين هو، فيقول: أيُّكم محمد ؟.
فكل هذه القوة التي آتاه الله إيَّاها، كل هذا التأثير الذي منحه الله إيَّاه، كل هذا الإشعاع الروحي الذي كان يؤثِر في قلوب أعدائه كان بسبب تواضعه، وبساطته، وعفَّته، واستقامته، وصبره، وإيثار أن يكون مع المساكين على أن يكون مع الأقوياء المُتَنَفِّذين.
أيها الإخوة الكرام… أوتي النبي عليه الصلاة والسلام قوةً كبيرةً في الجمع بين المتضادَيْن، في الجمع بين الأَوْسِ والخَزْرَج، آخى بين المهاجرين والأنصار، كان يوحِّد ولا يفرِّق، يجمع ولا يفرِّق، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
ليس منَّا من فرَّق)) أيْ أنَّ هذا الذي يفرِّق بين الناس، يقيم بينهم العداوة والبغضاء، يُشَتِّتهم، يعمِّق الهوة بينهم، هذا لا يستحق أن يكون زعيماً لهم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي قوة الـتأليف، قوة الجمع، قوة التقريب.
أيها الإخوة الكرام… كان من خصائص قيادته التنظيم، فكان الثلاثة من أصحابه إذا خرجوا في سفرٍ أمَّر عليهم أحدهم، لأنه كان عليه الصلاة والسلام يعتقد أن الإمام يَجْمَع، وأن الأمير يجمع، وأن إمارة الأمير، ولو لم تكن كاملةً أفضل من التفرقة، وأفضل من التشتت، والتبعثر، والتفرُّق.
وقد أوتي النبي عليه الصلاة والسلام قدرةً فائقةً على احتمال التكذيب، والافتراء، والإيذاء في رحابة صدرٍ وضبط أعصاب، ما من دعوةٍ، خالصةٍ، صحيحةٍ، دعوةٍ إلى الله ورسوله إلا وتجابه بالخصوم الأَلِدَّاء، إلا وتجابه بالتكذيب، تجابه بالافتراء، تجابه بالمقاومة، فما لم يكن الداعية إلى الله عزَّ وجل ذا أعصابٍ متينة، وذا قوةٍ في التحمل على إيذاء الخصوم، وعلى التكذيب، والسخرية، فإن دعوته سريعاً ما تنهار.
أيها الإخوة الكرام… كان عليه الصلاة والسلام يحب المساواة ويكره التمييز، فحينما كان قائداً في معركة بدر سوَّى نفسه مع أقلِّ جنديٍّ في المعركة، وهذا من لوازم قيادته، وحينما كان مع أصحابه في سفر سوَّى نفسه معهم حينما قال:
وعليَّ جمع الحطب))
أقول وأؤكد لكل من يهمّه الأمر : مكانته صلى الله عليه وسلَّم التي كانت في أعلى مكان، لم يستمدها من قوته، ولا من كثرة التجمع حوله، ولكنه استمدَّها من مكارم أخلاقه، فأنت بإمكانك أن تملك الأبدان بقوتك، وبإمكانك أن تملك القلوب بكمالك، فقيادة النبي عليه الصلاة والسلام وزعامته مبنيةٌ على كمالاته، فبكماله مَلَكَ القلوب وحينما مَلَكَ القلوب ملك معها الأبدان.
لقد كان عليه الصلاة والسلام يستشير أصحابه،عملا بقوله تعالى :”وشاورهم في الأمر” وفي استشارة أصحابه تعليمٌ لنا، لذلك وصف المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم.
فوالله الذي لا إله إلاّ هو لو تمعّنّا في سيرته صلّى الله عليه وسلّم لأخذنا الدّروس العظام ولحقّقنا نجاحات لا نظير لها ولما تنازعنا في أمر ديننا ولا دنيانا كما نتناع اليوم وإذا تنازعنا فشلنل وإذا فشلنا ذهب ريحنا كما عبّر على ذلك القرآن الكريم ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم
الخطبة الثّانية
بسم الله والحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله
أيها الإخوة الكرام..قال الله عزَّ وجل:﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ سورة الأنفال: 33
احتار علماء التفسير في هذه الآية، بعضهم قال: ما دام النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهراني أمَّته فلن يعذبهم الله عزَّ وجل. وبعضهم قال:أيْ أنَّ سنَّتك إذا كانت قائمةً في حياتهم فلن يُعذَّبوا، وهذا أعمق تفسيرا وتأويلا: لأن سنة النبي عليه الصلاة والسلام تبيانٌ لمنهج الله عزَّ وجل، منهج الله من عند خالق الكون، المنهج الذي جاء به القرآن تعليماتُ الصانع، توجيهات الخالق، أمر الخبير،ونهيه ، والنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن، وفصَّل، وحدَّد، ووضَّح، فسنَّته بحقٍ كما قال الله عزَّ وجل بيانٌ للقرآن الكريم..﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ سورة النحل: 44 “
إذا فمعنى اتباع سُنة رسول الله هو اتباع منهج الله،من خلال هذا النبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلّم ومن طبَّق منهج الله وتوجيهاته وأوامره ونواهيه فإنه لا يخيب، ولا يشقى، ولا يضِل..﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ طه ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ البقرة )
أيها الإخوة الكرام… ما لم نقتدي بهذا النبي العظيم، ما لم نقف وقفةً متأنيةً على دراسة سيرته العطرة، ما لم نستنبط منها المواعظ، والحقائق، ما لم نأخذ منها القوانين، وما لم نطبِّق هذه الحقائق في حياتنا.فلن نفلح أبدا…………….
ما منا واحدٌ إلا وتحت يده أناسٌ قد جعله الله قيِّماً عليهم، والحد الأدنى الأبُ على أبنائه، المعلم في قسمه، الطبيب في عيادته، الموظف في إدارته، وصاحب العمل في معمله، وصاحب المتجر في متجره، وصاحب المزرعة في مزرعته، ما منا واحدٌ إلا وجعله الله قيماً على أناسٍ دونه.
والسّؤال هنا :كيف ينبغي أن يعاملهم ؟ هذه بعض الحقائق ؛ بالزهد، والتواضع، والنصيحة، والحب، والعدل، والإنصاف، وأن يشعر كل من معك أنه أقرب الناس إليك، وأن يشعر كل من معك أنك مخلصٌ له، هذه بعض الصفات التي تعلّمناها اليوم من النبيّ الكريم ، النبيّ المعلّم ،الصّفات التي جعلته عليه الصلاة والسلام يملِك القلوب قبل أن يملك الأبدان.
وباختصارٍ شديد يمكن أن تملك الأبدان بقوتك،أو بمالك أو بجاهك وسلطانك لكن القوّة الحقيقيّة أن تملك القلوب بكمال أخلاقك وهذا مرّة اخرى ما علّمنا إيّاه سيّد الخلق إذ قال :” إنّكم لن تسعوا النّاي بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم “، وإذا ملكت القلوب ملكت معها الأبدان،
أيها الإخوة الكرام… حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني.
* * *
فلنتوجّه على العليّ القدير بكلّ خشوع وإنابة ويقين في الإجابة
اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت. اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد………………….
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا.
اللهمَّ اصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر
اللهمَّ اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
اللهمَّ لا تؤمنَّا مكرك ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
اللهمَّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخيا، وسائر بلاد المسلمين.
اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عُضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السَلْبِ بعد العطاء، مولانا رب العالمين.
اللهمَّ يا أكرم الأكرمين ارزقنا حبَّك وحُب من يحبك، وحب عملٍ صالح يقربنا إلى حبك يا رب العالمين.
اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وارحم والدينا وارحم من علّمنا ومن علّمناه، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد لله رب العالمين