5 Février 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F02%2F24419_502666426443556_432458222_n.jpg)
لايخفى عن الكثيرين أن الامام أحمد بن حنبل عذب في قضية خلق القرآن وقد تعددت وسائل تعذيبه مما يطول شرحه, فلما رأي الواثق أن كل ما نزل به من محن لم يزده إلا قوة وثباتًا ونشرًا لفكره, وحب الناس له, سمح له بالعودة إلي درسه ووعظ الناس, ورأي السلطان الناس يجتمعون عليه بدافع الحب والتقدير والحرص علي المعرفة والتفقه, ولا يقتل الحاكم حقدًا وغيظًا مثل اجتماع الناس علي واحد من رعيته, وازدياد شعبيته, فأصدر قرارًا «بحظر» نشاطه «فلا يجمع إليه أحدًا, ويقيم في داره, لا يخرج إلي صلاة, ولا يشهد جنازة, ولا يلقي درسًا…».
إنها وسيلة من وسائل الحاكم العاجز غير السوي: أن يحول بين الأتقياء والصالحين من العلماء والدعاة وبين الجماهير, وهي وسيلة ساقطة لا تحقق النتيجة التي ينشدها الحاكم الطاغية, لأن قلوب الناس لا يملكها إلا الله. والمحن لا تزيد أصحاب الدعوات إلا قوة وإيمانًا ويقينا, ولا تزيد الناس إلا حبًا لهم واتباعًا واقتداء.
ثم مرض في بيته ببغداد, وسمع الناس بمرضه فأتوا من كل صوب وحدب يعودونه, وتزاحموا, ولزموا بابه, يبيتون في الشوارع حتي تعطلت الأسواق, وعجز الناس عن البيع والشراء, وكانوا يدخلون عليه أفواجًا يسلمون عليه ويخرجون, ونقلت الأخبار للخليفة المتوكل, فأرسل «قواته», فسدت الطرقات, و«حظرت» الدخول إلي الزقاق حيث يقع بيت الإمام أحمد.
وأراد المتوكل أن يساير الجماهير فأرسل إليه عبد الله بن طاهر يقول له إن الأمير يقرئك السلام, وهو يشتهي أن يراك. فقال الامام: هذا والله مما أكره.وفاضت روحه إلي خالقها, وحضر غسله مائة من بني هاشم, وخرج بنعشه ثمانمائة ألف من الرجال, وستون ألفًا من النساء, أي قرابة مليون مسلم ومسلمة يشيعونه إلي مثواه الأخير بعد أن صلّوا عليه, وراع ذلك الخليفة المتوكل… أن يكون لواحد من رعيته كل هذه الشعبية, فأمر بعض رجاله أن يمسحوا (أي يقيسوا) الموضع الذي وقف الناس فيه حيث صلّوا علي الإمام أحمد, فبلغ مقاسه ألفي ألف وخمسمائة ألف (أي مليونين وخمسمائة ألف من البشر). قال عبدالوهاب الوراق: «ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية, ولا في الاسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الذي اجتمع علي جنازة احمد بن حنبل».
وبعد وفاته تحققت له كرامتان: الكرامة الأولى: أنه أسلم أعداد لا تحصي من غير المسلمين لما رأوا مشهد جنازته, ولم يروا ما يشبه هذا من قبل.
أما الكرامة الثانية: فإنه في حياته كان يجابه رجال السلطة, والمعارضين الحاقدين عليه بقوله: «موعدنا معكم الجنائز», أي: سيدركنا الموت, وسترون أينا صاحب المكان الأثير في قلوب الناس, وشهدت بغداد «جنازته المليونية», أما جنازات أعدائه فلم تكن إلا «عشرية» أو «مئوية» علي أكثر تقدير.
الإمام أحمد لم يأخذه خوف وجبن أمام السياط, ولكن تمام الخبر أنه وهو في طريقه إلي التعذيب قال: «والله إني لا أخشي السيوف والموت, ولكنني أخاف السياط أن توقع بي من الألم ما يدفعني إلي الانصراف عن الحق, والتسليم بباطل القوم» فقال أحد حراسه: «لا تأس أيها الشيخ, فإنما هو السوط والسوطان, وبعدها لن تشعر بلذع السياط», وقد عرفنا أنه سُجن 28 شهرًا, وكان يتناوب جلده مائة وخمسون جلادًا, وصبر, وثبت, ورفض أن يساير معارضيه في رأيهم, ولو تقية, وكانت هذه المسايرة كفيلة بإعتاقه من السجن والعذاب. فهو لم يخف السياط حرصًا علي سلامة بدنه, ولكن خشية أن يشده الشعور بالألم إلي التخلي عما اعتقد أنه الحق.