28 Janvier 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F01%2Fttttttt.jpg)
مثقّف السّلطة و سلطة المثقّف: بقلم الاستاذ سامي براهم
مثقّف السّلطة و سلطة المثقّف
مقال نشر قبل الثورة لا يزال يحتفظ براهنيّته …
يعتبر الكثير من المحلّلين و المتابعين للوضع العربي الرّاهن أنّ من أهمّ أسباب إخفاق المجتمعات العربيّة في الانتقال السّلمي الآمن إلى الدّيمقراطيّة هو ” فساد النّخب العربيّة وعجزها عن أن تكون بديلا عن أنظمة الاستبداد فضلا عن ارتهان لفيف منها لهذه الأنظمة بشكل إيجابي من خلال إضفاء المشروعيّة على سياساتها و التّرويج لها و الذّود عنها مقابل التنعّم بريع ما نهبته من شعوبها ، من أو بشكل سلبي من خلال مسلك الاستقالة والوقوف على الرّبوة مقابل الأمن الذّاتي و الخلاص الفردي … “
هي تقييمات تجعل من المثقّف أسّ البلاء ” بانخراطه في مشروع السّلطة الحاكمة وخيانته لمجتمعه و قبل ذلك لقيمه و شرفه المعرفي ” و نحن نقرأ هذه الآراء في مختلف السّياقات التي تتفاوت بين المعرفي و الايديولوجي . لذا نرى الحاجة المعرفيّة الماسّة لتناول هذه الإشكالية بالتّحليل و التّمحيص دون الدّفاع عن موقع من المواقع أو الانحياز لجهة من الجهات .
المثقّف
بعيدا عن الانخراط في مبحث اصطلاحي تختلف فيه المقاربات و تتنوّع المداخل لتحديد مفهوم المثقّف و وظيفته و موقعه في عمليّة التّغيير بشكل يطّرد و ينعكس أي يميّزه عن بقيّة فئات المجتمع ، بعيدا عن ذلك نودّ أن نرصد جماع كلّ تلك المقاربات مجرّدة عن حواشيها المذهبيّة و الايديولوجيّة و الفلسفيّة . فالمثقّف هو ذاك الذي حصّل جملة من المعارف و الخبرات و التّجارب عن طريق مؤسّسات التّعليم العام أو من خلال تفاعله الذّاتي مع قنوات المعرفة المفتوحة ممّا أهّله لاكتساب عقل تحليلي تأليفي و هما من أهمّ كفايات العقل النّقدي الذي يمكّن من فهم حركة الواقع و تعليلها و استشراف المستقبل، ثمّ له القدرة على صياغة تمثّله للواقع و تبليغه للجمهور و نضيف إلى ذلك صفة أخرى أخلاقيّة يتحلّى بها المثقّف ضرورة لا بمقتضى نزوع تقويّ ديني بل بحكم أنّه مؤتمن على ما يتراءى له من حقائق و ما يتوصّل إليه من نتائج موضوعيّة للبحث فهو مطالب بنشرها و بعدم كتمانها و الانخراط في مسلك التّضليل مهما كانت الضّغوطات و الإغراءات . هذا ما يمكن أن نطلق عليه شرف المثقّف الذي يستقي منه سلطته المعنويّة و هي ليست سلطة ذات المثقّف و شخصه بل سلطة ما يحمله من قيم و معارف نقديّة .
هذه المواصفات ترشّح المثقّف ليكون في قلب عمليّة التّغيير الاجتماعي مهما كان الموقع الذي اختاره في السّلطة الحاكمة أو في المعارضة أو مؤسّسات المجتمع المدني.
السّلطة
درج الخطاب السّياسي على حصر السّلطة في مؤسّسة الحكم الرّسمي أي السّلطة التّنفيذيّة و دوائرها كالحزب الحاكم و حضوره الأغلبي في البرلمان الذي يمكّنه من تمرير القوانين و السّياسات المسوّغة لنفوذ السّلطة و ديمومتها فضلا عن مؤسّسات الدّعاية والبحث . من هنا يكون مثقّف السّلطة من اختار هذا الموقع فضاء لأداء وظيفته باعتباره جزءا من هذا المشروع. و في مقابل ذلك نجد المثقّف المستقلّ أو المعارض أو ما أصبح يصطلح عليه في الأدب السّياسي بالمثقّف الحرّ صاحب الكلمة الحرّة أو القلم الحرّ.
و لكن بانفتاحنا على مفهوم أوسع للسّلطة يتضمّن حلقات أخرى متشعّبة لممارسة السّلطة لفت إليها ميشيل فوكو النّظر تصبح السّلطة عندها كلّ قدرة أو نفوذ يخوّل لصاحبه فردا كان أو جماعة التأثير في صنع الواقع و أو إعادة تشكيله، و مصادر تلك السّلطة معقّدة ومتشعّبة فقد تكون فرديّة كالكاريزما السّياسيّة أو الدّينيّة أو التّاريخيّة أو جماعيّة كالحزب السّياسي أو الجمعيّات العموميّة أو القبيلة أو الطّائفة أو المذهب … و قد تكون عبر وسائط ماديّة تكرّس النّفوذ و تسنده مثل سلطة المال و السّلاح أو معنويّة مثل سلطة المعرفة والإعلام من هنا يمكن أن تتركز السلطة في يد فرد أو مجموعة سواء كانوا داخل دائرة مؤسّسة الحكم و القرار التّقليديّن أو من خارجها. فمثقّف الحزب المعارض الذي اختار أن يكون مبشّرا بسياسات حزبه التي رسمها أصحاب النّفوذ فيه هو وفق ذلك المعنى مثقّف سلطة. و بذلك يكون مثقّف السّلطة هو من اختار أن يكون ناطقا باسم دائرة السّلطة التي اختارها و عرّابا لها و ذائدا عنها.
المثقّف و السّياسي
إنّ من أهمّ ما يميّز بين السّياسي و المثقّف أنّ الأوّل مرتهن للنّجاعة أي ما يضفي الفاعليّة الآنيّة و المشروعيّة الدّائمة على مسلكه السّياسي لذلك يتركّز الخطاب السّياسي دائما على التّفسير و التّبرير و الإقناع و التّأثير و الحجاج مع تضخيم الإنجازات و التّقليل من شأن الاخفاقات و الوعود الدّائمة بتجاوزها دون مراعاة المطابقة بين الخطاب و الواقع لذلك يكون موسم الحملات الانتخابيّة دائما فرصة للمعارضات لتعداد الإخفاقات و التّقليل من شأن الإنجازات ضمن استراتيجيا التّدافع الحجاجي أو الحجاج و الحجاج المضاد و التّنازع على الحقيقة و المشروعيّة و بالتّالي السّلطة و إن كان ذلك بتزييف الواقع و تحريف الحقائق لأنّ السّياسي بالضّرورة لا بدّ أن يقدّم صورة عن الواقع تخدم مصالحه و تثبّت وجوده السّياسي و تضمن له الاستمرار و الدّيمومة و ينطبق هذا على السّياسي الحاكم والمعارض.
أمّا المثقّف فهو بعيدا عن كلّ ذلك مرتهن أوّلا و بالذّات مهما كان موقعه إلى ما أسلفنا ذكره من قيم معرفيّة و أخلاقيّة توجّهه و تشكّل سلطة معنويّة اعتباريّة ضاغطة عليه يفقد شرفه المعرفي بقدر تخلّيه عنها و ارتهانه لخطّة السّياسي. بل إنّ المثقّف الذي اختار الانتماء إلى نهج سياسيّ ما عليه أن يتحرّر من تبعات انتمائه أثناء مباشرة وظيفته كمثقّف و لا يكون ذلك إلاّ بكثرة الدّربة و المجاهدة و رياضة النّفس على ذلك . هو مطالب بمقتضى الموقع الأوّل الذي اختاره أن يكون فوق السّياسي و مستقلا عنه أثناء مباشرته لوظيفته الأساسيّة ” التّحليل الموضوعي و النّقد و الفهم … ” لا يمنع ذلك حسب تقديرنا من أن يختار المثقّف موقع السّلطة الحاكمة فضاء للإصلاح و التّغيير من الدّاخل كما يقال كما يمكن له أن يكون جزء من مشروع السّلطة و مبشّرا بقيمها و ناطقا باسمها طالما أنّ ذلك لا يتعارض مع وظيفته و سعيه الدّائب داخل ذلك الفضاء للاضطلاع بالمهامّ التي نذر نفسه لها أو نذرته لها القيم المعرفيّة التي يحملها. و إن كان لا يمكن له في ذلك السّياق وعلى خلاف مثقّف المعارضة أن يتبنّى مسلك الاحتجاج العلني و التّشكيك و الاتّهام والتّشهير … فإنّه قادر على الاضطلاع بمهمّة النّقد الدّاخلي و المراجعة و النّصح والتّوجيه و الإرشاد وتكوين حلقات ضغط من أجل تصحيح المسار كلّما لاحظ وجود انحراف عمّا تقتضيه المصلحة العامّة فيتعانق بذلك مع ما يمكن تسميته بمثقّف المعارضة.
نعم يمكن أن تختلف المقاربات في تحديد هذه المصلحة العامّة فتتضارب التصوّرات وتتضادّ الرّؤى لكنّ انخراط المثقّفين من داخل السّلطة الحاكمة و من خارجها ضمن نفس دائرة الحراك الثّقافي النّقدي المعرفي يمكن أن يخلق ضربا من التّجانس و التّوافق حول قيم مشتركة هي بمثابة الميثاق الأخلاقي الجامع . عندها سيكون المثقّف منحازا ” للحقيقة و الفضيلة ” مهما كان الموقع الذي اختاره في السّلطة أو خارجها بل ستتكامل أدوار المثقّفين على اختلاف مواقعهم لأنّ الجميع مشدودون لنفس القيم .
عندها لا يسوغ لنا الحديث عن مثقّف سلطة و مثقّف معارضة بل عن مثقّف وفيّ لقيمه ومحافظ على شرفه المعرفي و مثقّف خان مجتمعه و باع شرفه المعرفي و خسر موقعه الأساسي في الشّهادة على عصره و انخرط في مسلك التّضليل و تزييف الواقع و سخّر ذاته و معارفه أداة لتدجين الجمهور و صناعة رأي عام لصالح السّياسي و ذلك تحت وطأة إغراءات السّلطة السّياسيّة أو إكراهاتها . عندها يحقّ لنا أن نعتبره عنصرا من عناصر الإخفاق و عائقا من عوائق النّهضة .
بقلم الاستاذ سامي براهم