16 Février 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F02%2Fok1.jpg)
مظاهرات الشرعية أو هكذا يكون الصراع...بقلم محمد علي الزواري
علمني أستاذنا في التاريخ الحديث الدكتور الحبيب الجموسي أن الشرعية تشكل أساس العلاقة التي تنبني بين السلطة
والشعب وهي أساس الصراع بين مختلف الطامحين للسلطة فيم تتمثل الشرعية؟؟ ومتى تتمتع السلطة بالشرعية؟؟
هذه الأسئلة رافقت كامل الفترة الإنتقالية مابعد الثورة وطرحت على جميع الحكومات خلال تلك الفترة ساهم هذا السؤال
في إسقاط البعض وتعزيز القبضة للبعض الآخر فماهي التحولات التي مر بها هذا المصطلح؟؟خلال فترة حكومتا السيد محمد الغنوشي الأولى والثانية الذي استند في الأولى على الشرعية الدستورية في حركة لملئ الفراغ السياسي الذي أعقب فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي أما الثانية فبالإضافة للإستناد إلى الشرعية الدستورية التي جعلت السيد فؤاد المبزع رئيسا مؤقتا للجمهورية والسيد محمد الغنوشي وزيرا أولا حاول هذا الأخير الإستناد للشرعية التوافقية بإشراك بعض من قيادات المعارضة وممثلين عن الإتحاد العام التونسي للشغل لكن السؤال الذي طرح هنا ماذا عن الشرعية الثورية؟؟ لقد عبر طبقة الشباب التي قامت بالثورة اللذين أتوا من المناطق الداخلية في مسيرة شبيهة بمسيرة المهاتما غاندي مع شعبه الهندي السلمية ضد الإستعمار البريطاني عن رفضها التلاعب بمصير ثورتها وعدم الرغبة في تغيير إسم بإسم آخر بل ثورة شاملة وتامة تقطع نهائيا مع الجمهورية الأولى هذا الضغط الشبابي الذي ترجم في القصبة 1 والقصبة 2 والذي أدى في الأخير إلى استقالة السيد محمد الغنوشي والعودة للبحث مجددا في أرشيف الدولة القديمة بكل مصالحها وفلسفاتها عن رمز تاريخي كاريزماتي يمثل التوافق بين مختلف التيارات السياسية فكان السيد الباجي قايد السبسي وحكومته المسيرة للأعمال والقائمة على الكفاءات خاصة منها الخارجية لحين القيام بانتخابات للخروج من حالة الشرعية التوافقية الإضطرارية إلى حالة الشرعية الإنتخابية المرتكز الذي تقوم عليه أي دولة ديمقراطية حديثة في ظل وجود عقد اجتماعي يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم بحيث يكون الحاكم أشبه بالموظف لصالح الشعب ليس العكس وتصبح مسألة السلطة مسؤولية
ليست غنيمة لتحقيق المآرب الشخصية.
إذا أقيمت إنتخابات 23 أكتوبر 2011 في جو من التفاؤل والتحضر في أول تجربة ديمقراطية مرت بها البلاد تحدث عنها كل العالم أصبحت بعدها تونس رمزا للإنتقال الديمقراطي السلس دون وجود أي نوع من المخاضات او النزاعات التي من الممكن أن تقوض بقاء الدولة واستقرارها.خرجت نتائج الإنتخابات بفوز الأحزاب التي كانت معارضة لحكم بن علي إسلامية كانت أم علمانية مقابل هزيمة الأحزاب المنبثقة عن التجمع في رغبة شعبية واضحة لمواصلة تبني مشروع الثورة هناك سؤال آخر قد طرحته هذه النتائج يتعلق بمسألة الشرعية والإختيار بين إختيار نموذج حكم رشيد يقطع تماما مع الفساذ التي اتسمت به الدولة وليس هناك أفضل من “أناس يهابون الله” لتحقيق هذه الرؤية فحسب رؤيتنا فإن الإنسان الذي يهاب الآخرة ويؤمن بقوة ماوراء طبيعية تحاسبه وتشكل له ذلك الحد الأخلاقي دون وجود أي حد واقعي أو عقد اجتماعي يشكل الفاصل الحقيقي للحاكم من إغراءات السلطة وآخرون إختاروا ببساطتهم الأمل في حياة أفضل الكرامة التي هي من أبرز أسباب ومبادئ الثورة وأهدافهاإذا شرعية الإنتخابات ليست قائمة فقط على الثورة بل على الأمل الأمل في الإصلاح في النهوض في الكرامة وفي حياة أفضل فهي كانت جامعة بين شرعية الصندوق وشرعية الثورة.
حصل النزاع حول الصندوق ونتائجه منذ البداية بين النهضة والعريضة الشعبية القائمة الثانية مم أدى إلى اضطرابات في سيدي بوزيد واستقر الأمر في الأخير على ترويكا ليستقر الأمر في الأخير بين شرعيتين شرعية الإنتخابات والشرعية الإئتلافية باعتبارها تجربة ائتلافية غير مسبوقة بين اسلاميين وعلمانيين معتدلين لاقت إعجاب العالم خاصة بين ايديوليجيتين معروفان ليس فقط بذلك التضاد العقائدي الشديد بينهما إنما بصراعهما الممتد والمميز للتاريخ العربي الحديث منذ عصر النهضة في القرن التاسع عشر.
إستمر هذا الوضع إلى حين 23 أكتوبر 2012 حين أعيد مجددا طرح نفس السؤال حول الشرعية خاصة عندما صحح معظم الأحزاب السياسية إلا المؤتمر من أجل الجمهورية على إعلان المسار الإنتقالي الذي يحدد الفترة الإنتقالية بعام وحيد ولم يتحقق شيء من البرنامج المخطط له وأهمه كتابة دستور لجميع التونسيين وللمستقبل فقد كانت تلك السنة الأولى ثلثها كان فيها ذلك الصراع على المناصب بين أفراد الترويكا وبقيتها كان بروز صراعات وحروب خاطئة جيش فيها الشارع كقوة للضغط واستعراض القوة من قضية الشريعة إلى المساواة بين الرجل والمرأة في ظل تواصل الإحتقان الإجتماعي ومعه الهشاشة الأمنية والعجز الإقتصادي فظهر شقان شق معارضة تحت زعامة الإتحاد العام التونسي للشغل ينادي بحكومة إئتلافية موسعة وشق مناصر للحكومة ينادي ببقاء الحال على ماهو عليه فالحكومة هي الجهاز الوحيد الذي يتمتع بالشرعية في البلاد وأي محاولة للتغيير يعد إنقلابا على الشرعية واستمر الوضع على ماهو عليه وبقيت حكومة الترويكا.
لكن اغتيال شهيد الحرية شكري بلعيد نقطة تحول هامة في رؤية الحكومة لذاتها لدرجة أن رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي قرر إنشاء حكومة تكنوقراط غير سياسية لتسيير الفترة الإنتقالية المتبقية معترفا بفشل حكومة الترويكا ليس فقط في استحقاق التحالف العلماني الإسلامي فقط بل على مستوى الشرعية الثورية وعدم وجود أي إرادة سياسية على التغيير والقطع مع الماضي.البعض اعتبر هذا القرار لحظة انتصار حتى بلغت به النشوة ليطالب بحل المجلس الوطني التأسيسي الجهاز الشرعي الوحيد في البلاد رغم فشله في إتمام مهمته الأساسية وهي سن الدستور وسقوطه في فخ النقاشات الهزيلة والمقترحات اللامنطقية والخطابات الشعبوية الرنانة.
لكن هل بدأت الأزمة منذ اغتيال شهيد الحرية شكري بلعيد أم لها جذورها؟؟ في حقيقة الأمر أن الأزمة بدأت منذ رغبة رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي بالقيام ب”صدمة إيجابية” تحسن من أداء حكومة فشلت في استحقاقها الثوري في مناخ متسم بحدة الإستقطاب العلماني الإسلامي ومعه حدة الخطاب السياسي والديني الذي أدى لحالة إحتقان وسط المجتمع ساهمت في تنامي ظاهرة العنف وضعف سلطة الدولة داخل مجالها حتى أصبحنا نسمع عن أجهزة أمنية موازية وصلت لدرجة إغتيال شهيد الحرية شكري بلعيد الذي شكل اغتياله نقطة مفصلية وصلت الأزمة معها لأوجها.إذا مادامت الأزمة موجودة منذ ماقبل الإغتيال؟؟ فمالذي جعل التحرك يتأجج فيما بعد الإغتيال؟؟ في حقيقة الأمر كان قرار رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي هو نقطة وصول الأزمة لعمقها فمسألة التحوير الوزاري كانت لتبقي حكومة صحيح بها تعديلات في وزارة هنا وهناك لكن تبقى مسيسة وفي نطاق الترويكا والوزارات السيادية في يد النهضة مم شكل أزمة مع حليفيها الرئيسيين المؤتمر والتكتل حتى وصل التكتل للتهديد بالإنفصال عن الترويكا لكن السيد حمادي الجبالي سحب البساط من هذه الأحزاب الثلاث وخاصة من حزبه النهضة وأخرجها من نطاق الحكم فالمسألة في حقيقة الأمر ليست متعلقة بالشرعية لأن شرعية المجلس الوطني التأسيسي وهو الجهاز الشرعي الوحيد الناتج عن انتخابات 23 أكتوبر 2011 لم تمس وإنما السبيل لمرور باقي الفترة الإنتقالية بسلام دون أزمات سياسية أو تجاذبات سياسية عميقة تفتت تآلفا حكوميا.
وهنا تنزلت مسيرة يوم السبت 16 فيفري 2013 التي تؤكد ذلك الإنشقاق العميق في صلب الحزب الحاكم الذي بدوره يمثل أزمة ثقة بين الشعب الذي مل الإنتظار والتصارع ونخبته الحاكمة بين شق أخذ المبادرة بنفسه دون أي مشورة حزبية رغم نبل غايته في إعادة الوحدة الوطنية وتسهيل عمل الحكومة قبل أن تدمر نفسها ذاتيا وهو شق الأمين السيد حمادي الجبالي الذي انضم إليه السيد عبد الفتاح مورو والمعارضة في تحالف عجيب غريب وشق يسعى للبقاء في السلطة باعتبارها الدرع الوحيد للبقاء في الساحة السياسية الذي يمثله شق رئيس الحزب السيد راشد الغنوشي وانضم إليه لطفي زيتون والحبيب اللوز والشباب النهضوي الذي اعتبر أن السيد حمادي الجبالي كان “انبطاحيا” ولم يكن جادا في تعامله مع قضايا الثورة بالإضافة للمؤتمر من أجل الجمهورية وحركة وفاء.لذلك فإن الصراع ليس محوره الشرعية بل لاعلاقة له بالشرعية أصلا وإنما يطرح السؤال التالي من الأجدر؟؟ الوطن أم الحزب؟؟مسيرة اليوم كانت رسالة أولا موجهة لخصوم الشق الذي ينادي بحكومة التكنوقراط أنه لا يمثل قط رأي الحركة وأن بقائه على سدة الحكم لأيام معدودة فقط لأنه بكل بساطة لن يجد أي توافق ثانيا إنها رسالة للمعارضة يؤكد فيها الشق “المتمسك بالسلطة” أنه يمثل الأغلبية في الحزب.
ويبقى السؤال مالذي سيدفعه الوطن ثمنا لهذه اللهفة على السلطة بين الإخوة الأعداء؟؟ ومتى نخرج من ثنائية الدولة-الحزب التي أصبحت جزء من ثقافتنا التي ساهمت في عقود من الإستبداد وهيمنة الرأي الواحد؟؟ وهل نحن فعلا بحاجة حاليا لاستعراض العضلات؟؟