7 Mars 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F03%2F9512_267008780094456_861332078_n.jpg)
خرجت القرية تستقبل محمد علي ، لكم هي فخورة به ؟! فهو أول معلم من أبناء القرية، سيعلم فيها
كان وحيد والديه ، ملء سمع و بصر قريته ، تنظر إليه بعين الإكبار ، و يتمنى كل واحد فيها أن يبلغ ابنه ما بلغه الأستاذ الجديد
إن أحدهم يقسم لك صادقا : إنه لم يمر على قريتهم معلم كالأستاذ محمد ، و يستدركحديثه : ليس لأنه ابن قريتنا فنحن مر علينا معلمون كثيرون ، و لكن لم يكونوا يشبهونهفي إخلاصه و صفائه !.
و يأتي صوت آخر : محمد علي - ما شاء الله - ولد عاقل ، لقد أدى فريضة الحج ،مع أن كثيرين ممن هم في عمر أبيه لم يفكروا بعد في أدائها ؟!
لقد عاد قبل ثلاثة أيام ، و لم يبق أحد في المنطقة إلا جاء ليسلم عليه .. و يلتفتيمنة و يسرة ، و يهمس : جاءت الحكومة في طلبه ، و سألوا عنه في فترة الحج و نحن لاندري لماذا ؟ و لكن قيل : إنه ذهب إلى الحج بدون إجازة من دائرته .
الحاج إبراهيم : يا أبا خالد ! كم قلت لك ، إن تبليغات مديرية التربية للمعلمين تأتيعن طريق مخفر الشرطة ، و هؤلاء الذي جاؤوا ليسوا شرطة ، إنهم مخابرات …
أبو خالد مستغربا : تأتي خلف الأستاذ ، لا أكاد أصدق ؟! هو لم يفعل شيئا !
- أنت لا تصدق بأنهم من المخابرات ، و مع ذلك أقول لك : إنهم من الوحداتالخاصة جاؤوا إلى القرية بلباس مدني !
أبو خالد [مغاضبا] : لا تقل هذا يا رجل ، فتشيع على الأستاذ الإشاعات
- أنت حر ! صدقْ أو لا تصدق !
و نظر أبو خالد إلى ساعته : هيا بنا ، فلم يبق على أذان الجمعة سوى نصف ساعة
الحاج إبراهيم : هيا .. فلعلنا ننفرد بالأستاذ بعد الصلاة و نبلغه ذلك
انتهت صلاة الجمعة ، و وقف أبناء القرية كعادتهم عند الباب الخارجي للمسجد ، وخرج الأستاذ يسلم عليهم ، فلا يكاد يتركه واحد منهم ، حتى يستوقفه آخر و يعرض عليهمشكلة أو سؤالا ، أو أمرا ما ؟!
وقف الحاج إبراهيم و صاحبه أبو خالد غير بعيد ، يريدان الانفراد بالأستاذ
- أستاذ محمد علي نريد أن نكلمك كلمتين !
و همس أبو خالد بما سمع ، و اعترض الحاج إبراهيم ، و أكد أنهم من الوحدات ، وببراءة أهل الريف قال في حماس يا أستاذ ! صحيح أنك أعلم منا و نحن أميون ، و لكنناأخبر منك بالحياة ، لقد سمعت قبل يومين أنهم يعتقلون المعلمين المتدينين ! نحن نرى ألاتأتي غدا إلى المدرسة .
- المدرسة ؟! قال محمد علي : إذا من يجمع الطلاب في الصباح و يدخلهم إلىالصف ، فزميلي في إجازة صحية .
الحاج إبراهيم : الآذن يفعل ذلك ! خذ إجازة مثلا .
- و لكن يا حاج إبراهيم ! لم يبق لي إجازات ، و خاصة أن إجازة الحج طويلة ، وكذلك لم أخبر الموجة التربوي …
اطمئنوا .. اطمئنوا .. فلن يحدث إلا الخير !
أبو خالد : أنا خائف عليك يا أستاذ ، فهؤلاء غادرون و الذي يروح لا يعود ؟!
ابتسم الأستاذ محمد علي و هز رأسه : و لكنني يا أبا خالد ! لن أذهب إلا مرة واحدةفيما لو حدث أي شيء !
الحاج إبراهيم : حفظك الله يا أستاذ ! و الله أنت قرة عيوننا و نحن نخشى عليك حتىمن النقل إلى قرية أخرى
و غابت شمس يوم الجمعة .. و أشرق فجر يوم جديد و أنهى محمد علي صلاة الفجرفي المسجد ، و عرج على والديه لعلهما يحتاجان إلى شيء ، و قاربت الساعة السابعة والنصف .. نهض مودعا ليتجه إلى المدرسة ، و دخل التلاميذ و لم يمض وقت طويلحتى جاءت أصوات لغط من ساحة القرية ..
أبو خالد ، مهرولا يتقطع نفسه : يا أستاذ محمد ألم أقل لك .. فقد جاء الأوغاد … إنهمالوحدات نعم أعرفهم ، أنا رأيتهم في المدينة المجاورة قبل شهرين هم الذين قتلوا ابن نائل ،و سحلوا جثته في الشارع العام .
ألقى الأستاذ محمد نظرة سريعة على تلاميذه الصغار .. عيونهم الصغيرة تدور وهم لميفهموا شيئا كثيرا من حديث أبي خالد ، و لكن لهجته و إشاراته و نفسه المتقطع … كلهذا يشير إلى أن في الأمر شيئا !
فتح النافذة و وثب باتجاه ساحة المسجد ، وقبل أن يخرج أبو خالد من المدرسة سمعأصواتا تقترب .. من هنا ! من هنا يا سيدي ! إنه وصل إلى أول انحدار الوادي ، وبلهجة متعجرفة صاح الملازم : لا تستوقفوه ..أطلقوا النار مباشرة ، و بغزارة لا يهمنا أننأخذه حيا ؟!!
و انطلقت العيارات النارية و تدحرج الأستاذ محمد علي يتخبط بدمائه .. تراكض أهلالقرية .. وصل أبو خالد .. فتح الأستاذ عينيه ! ألم أقل لك يا أبا خالد ، إنني لن أذهبمعهم إلا مرة واحدة .. و أطبق جفنيه .. وصل عساكر الوحدات ، حملوه في السيارة واتجهوا به إلى المدينة المجاورة ، و القرية ذاهلة لا تدري ما تصنع ؟! لم تكن أمه العجوزلتنتظر طويلا .. و قد بلغها الخبر .. فجعلت تركض حافية القدمين باتجاه الطريق الزراعيلتصل إلى المدينة ، أو توقف سيارة القتلة ..
رُبطت جثة الأستاذ خلف سيارة عسكرية ، و جعل العساكر يُخرجون الناس من المقاهيو يوقفون آخرين في الطريق و هم يصرخون ! انظروا .. انظروا .. لقد قتلنا رئيسالعصابة .. نحن رجال الأسد! هات خمسة فناجين قهوة للشباب على حساب ..
الأم تصرخ ، و جثة محمد علي تجرها سيارة الزيل العسكرية أما القرية فقد لبثت ذاهلة.. إنها المرة الوحيدة التي لم تخرج لاستقبال الأستاذ أو وداعه .. لقد استقبلته معلما ، وفرحت به عريسا ، و هللت له حاجا و معتمرا ..
و لكنها عجزت عن أن تشيعه شهيدا !
يحيى بشير حاج يحيى