26 Février 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F02%2F304531_455761511158043_685988422_n1.jpg)
كثر الحديث هذه االأيام عن العلاقات الدولية وطبيعتها خاصة بعد ثورات الربيع العربي..ولايختلف عاقلان أن ميزان القوى ثابت لم يتغير وأن الغرب يسيطر بقوته العسكرية والمالية والتكنولوجية ويخضع دول العالم النامي بطرق مختلفة ..ولكن الجديد في الأمر أن الدول الثائرة تمكنت من كسر طوق الاستبداد وتحررت من قيود الرؤساء المفوضين من الغرب المتقدم والساهرين على مصالحه فيها وبدأت حكوماتها تشق طريقا يسعى إلى تحقيق سيادة حقيقية وريادة.. يحمل شبابها الثوري طموحات كبيرة ويحدوه أمل بإرساء نظم قوية ديمقراطية وتحالفات عربية إسلامية تغطي حاجاتها وتكمل النقص فيما بينها بعيدا عن تبعية الغرب وديون صندوق النقد الدولي ..ولئن كانت خطى التغيير بطيئة ولكنها تنضح عزما وعزة وتهفو الى إعادة أمجاد قديمة …ولنا أن نستشهد في هذا الاطار بكتاب لعصمت سيف الدولة موسوم ب ’’عن العروبة والاسلام’’ قدم فيه طرحا شاملا لعلاقة العالم العربي بالعالم الغربي بأسلوب مميز وأحاطها من كل جوانبها وعرض أمثلة مختلفة تدعم ماذهب إليه من إستنتاجات وإستقراءات ومن بين هذه الاستشهادات يذكر التجربة النازية ويجزم أنها لم تكن لتحقق نجاحا لولا مخططها الشهير المعروف ب’’الغزو الذهني ’’أو ’’إغتصاب العقول ’’ كما سماه عصمت سيف الدولة ..ويتمثل هذا المخطط في كون وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلز تبنى برنامجا يسعى إلى الهيمنة على العقول تمهيدا لاحتلال العالم وذلك إنطلاقا من حملات تحريضية دعائية بكل وسائل اللاعلام تنشر مبادئ الفكر النازي إذ أمر الناس برفع أصوات المذياع حتى أقصى درجة حتى يبلغ البث مدى واسعا ..ولئن كانت هذه الفكرة بسيطة في ظاهرها لا تعدو أن تكون دعاية لحزب فهي تحمل مخططا استعماريا بعيد الأمد إذ أن الاستماع المتواتر والمتواصل لنفس الخطب والشعارات والوعود والأحلام النازية يثبتها في الأذهان فقد لايكترث السامع للوهلة الأولى والثانية ولكن شيئا فشيئا يدفعه الفضول لاكتشاف ماوراء هذه الخطب والتساؤل عن نواياها والتعرف على أهدافها ومن ثمة ينضم لاشعوريا إلى المخطط وينخرط فيه ثم يصبح أداة تدعو اليه وترغب فيه ويقول في هذا السياق عصمت سيف الدولة ’’غوبلز يصنع شيئا غير مسبوق في تاريخ البشرية بذلك الجهاز العبقري حديث النشأة : المذياع..كان يصنع ويصطنع ويصوغ مبادئ وأفكار وقيم أمة كاملة لتماثل مبادئه وأفكاره وقيمه ليضع أقدام الملايين من أبنائها على الطريق الذي حدده حزبه..دون أن يقيم وزنا أي وزن لما يتفرد به كل منهم من مبادئ وأفكار’’…من خلال هذا الاستشهاد يلفت الكاتب نظرنا إلى نقاط جد خطيرة :أولها دور الإعلام في بلورة المشاريع السياسية واستقطاب الانصار وثانيها غسيل الأدمغة وإفراغها من كل خصوصية وهوية ذاتية وثالثها تحويل الشعب إلى قطعان صم بكم عمي لايملكون من أمرهم شيئا تطوعهم القيادات الحزبية لخدمة غاياتها وخططها ..
هي إذا ليست دعاية إعلامية بسيطة لحشد الأنصار إنما هي اغتصاب للعقول بكل ماتحمله هذه الكلمة من شراسة وعنف وإكراه ..وقد نجحت هذه السياسة الممنهجة وأتت أكلها إذ استطاع النازيون الهيمنة على ثمانين مليون نسمة ورسخوا في داخلهم فكرة الجنس الآري باعتباره أرقى أجناس الأرض وأقنعوه أن أوروبا الشرقية هي المجال الحيوي لدولة الرايخ وبأن أدولف هتلر قائد ملهم لايخطئ وهو يقودهم إلى المجد العظيم لا محالة ..
وما أشبه اليوم بالبارحة أنموذج التجربة النازية يكاد يكون هو ذاته في الغرب عامة بقيادة أمريكية إذ نقلت هذه التجربة بحذافيرها وطورتها وخصصت لذلك معاهد وجامعات مختصة تعنى بتدريس مئات الألوف من قبل فلاسفة وعلماء نفس واجتماع ومفكرين وكتاب ..وقد ساهم التقدم التقني والتطور التكنولوجي في شحن هذه التجربة فغدت ظاهرة عالمية تستهدف جميع القارات وتغتصب العقول بشتى الوسائل سواء بالكتب والنشرات والمجلات والتلفزيون والانترنات ..فحققت إنتشارا خرافيا يلبس لبوس العولمة والتواصل الحضاري والتبادل الثقافي ويخفي مصائبا وأهوالا أغارت على العقول واستعبدتها وأفرغتها من كل هوية وتفرد…
يمكن القول إذا أن العالم المتقدم وإن بدا متضامنا مع شعوب العالم النامي يغيثه في النائبات ويقدم المساعدات ويفرح بثوراته ضد الظلم والدكتاتورية فإنه لم ولن يستغني عن سيادته للعالم وسيدافع عنها بكل شراسة ومانشاهده اليوم من مشاكل ونزاعات في دول الربيع العربي من إستقطاب حزبي وتعصب سياسي وديني إن هو إلا وجه من وجوه التدخل الخارجي فيها لأن نجاح هذه الثورات ونشأة أنظمة تنهض بالعقول والبشر يعني بالضرورة نهاية عصر الاستعباد والتبعية وإفشال مخططات الغرب لذلك نرى عملاء العرب وسفرائه في هذه المناطق يسعون جاهدين لزرع بذور الفتنة والتفرقة وعرقلة مسار التغيير والبناء فتعم الفوضى والخراب وتكثر الإضرابات وتتسبب في إغراق البلاد في مشاكل تنموية جديدة تنضاف إلى ميراث الدكتاتورية وديونها القديمة حينها تبرز إلى السطح حفاوة الغرب وشهامته ليظهر في هيئة المنقذ المشفق الذي يستطيع إنتشال هذه الدول من معاناتها ويقدم لذلك عروضا سخية بمسميات رنانة مغرية مثل تشغيل الشباب وتمويل نشاطاتهم الثقافية والسياسية أو الدفاع عن حقوق الأقليات والمظطهدين وترعى ذلك منظمات عالمية تتدعي الحياد وتزعم الاستقلالية عن كل أجندة سياسية …
أمام هذا الخطر القادم والوافد في حلل وردية والحامل لشعارات تنموية وجب على شعوبنا وحكوماتنا ونخبنا على وجه الخصوص أن يتعاونوا من أجل كشف خيوط المؤامرة وإحباطها ولن يتيسر لهم ذلك الا إذا تجاوزوا فروقاتهم واختلافاتهم الفرعية وتضامنوا من أجل حراسة أوطانهم والمحافظة على هويتها التي تكاد تضمحل بفعل التغريب المتواصل ..وليس هذا بالعمل السهل الذي ينجز في أشهر أوسنوات معدودة إنما هو مسيرة أمة عبر قرون قادمة وإستراتيجية بعيدة المدى تعادل مخططاتهم وإستراتيجياتهم يجب أن تحاك بنفس الدرجة من الإتقان والإحتراف وتكرس لها كل الوسائل والطاقات ليغدو مشروعا قوميا لا مشروع أفراد أو أحزاب …