26 Janvier 2013
/http%3A%2F%2Fal-sada.net%2Fwp-content%2Fuploads%2F2013%2F01%2Fdocteur-marzouki4-300x195.gif)
نداء تونس أو النسخة الثانية من حزب المؤتمر ؟؟
يحتلّ حزب نداء تونس منذ تأسيسه مكانا متميّزا في الساحة السياسية التونسية كما أن الأضواء الإعلامية مسلّطة عليه بشكل لافت بين من يعتبره منقذا لتونس من براثن الإسلاميين و من حالة التخبط التي تعيشها و من يعتبره إستنساخا للتجمع الذي إنتقلت روحه و كوادره إلى هذا الحزب الجديد. بعيدا عن هذا الرأي الممجّد و الآخر المشيطن يبدو لي حزب نداء تونس إستنساخا لتجربة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتشابه معه في عديد النقاط التي سنستعرضها لاحقا وهو ما يدعونا للتساؤل حول مستقبل هذا الحزب الجديد القديم.
أولا المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أراد باعثه المنصف المرزوقي أن يكون جامعا لشمل التونسيين على إختلاف أطيافهم و انتماءاتهم الإيديولوجية فشل بإمتياز في أن يحافظ على وحدته و إنسجامه و تبعثرت إطاراته و كوادره بين مختلف الأحزاب بل إن عبد الرؤوف العيادي الوجه التاريخي للحزب إنسحب من المؤتمر ليؤسّس حركة وفاء. قد تكون المرتبة الثالثة في إنتخابات 23 أكتوبر 2011 هي أول و آخر إنجاز لحزب المؤتمر فهو يشهد منذ ذلك التاريخ إنسحابات و غلق مقرات و ليست له صحيفة ناطقة بإسمه إلى حد الساعة (نداء تونس أيضا ليست له صحيفة خاصة به و لكن عديد وسائل الإعلام مجنّدة لخدمته و التعريف ببرامجه و الدفاع عنه) إضافة إلى تراجع شعبيته بصورة كبيرة تنبأ بفشل ذريع مرتقب في الإنتخابات القادمة.هذه التجربة “المؤتمرية” تعاد الآن تحت إسم جديد هو نداء تونس فبين هذين الحزبين عديد نقاط التشابه التي يمكن أن نوجزها كما يلي:
أولا جمع حزب المؤتمر منذ إنطلاقته مختلف أصناف الطيف السياسي في تونس من إسلاميين و يساريين و علمانيين و غيرهم و كان هذا الشمل الملتئم يوجّهه سهامه لنظام الإستبداد “الزفت-مبري” في حين أن الباجي قايد السبسي حاول أن يجمع مختلف الفاعلين السياسيين في تونس ضد طرف معيّن هو حركة النهضة الإسلامية و لذلك رأينا محمد الكيلاني مع محسن مرزوق مع خميس كسيلة مع إبراهيم القصاص مع الطيّب البكوش و غيرها من الأسماء التي كنا نخال أنها لن تجتمع إلا في يوم الحشر.لا فائدة أن نعيد إستعراض مآل حزب المؤتمر و كيف تمزّق إربا إربا و ذهب دمه هدرا بين القبائل السياسية وهذا الغياب الإيديولوجية أو للرابط الجامع هو نفس ما يهدّد نداء تونس و إرهاصات إنعدام الإنسجام بدأ تبرز منذ الآن في صفوف هذا الحزب.
ثانيا يعوّل نداء تونس كثيرا على شخصية الباجي قايد السبسي و على كاريزما الرجل ليجذب الأنصار و الناخبين و هذا تقريبا ما فعله المؤتمر من قبل ذلك حينما جعل المرزوقي هو المؤتمر و المؤتمر هو المرزوقي بل إننا سجّلنا من يقول في الإنتخابات الفارطة “صوتت للمرزوقي” معتبرا الرجل كحزب في حد ذاته. لا فائدة أن نسرد هنا آثار الغياب الفجئي للقائد الرمز أو الأسطورة بموت أو عجز و ما يستتبع ذلك من آثار كارثية على الحزب.
ثانيا لا يملك نداء تونس برنامجا واضحا و مميّزا عن غيره من الأحزاب فبعد ديباجة تمجّد الحرية و الكرامة و الدولة الديمقراطية يأتي البرنامج الإقتصادي و الإجتماعي و هو العمود الفقري لأي حزب بشكل يكتنفه الغموض و الضبابية و لا يحمل سوى عبارات فضفاضة لا تختلف عن برامج بقية الأحزاب بما فيها حركة النهضة الحاكمة حاليا مع كلمات مفاتيح مثل توفير مواطن شغل و دعم البنية الإقتصادية و تشجيع الإستثمار و إعادة رسم الخريطة الإقتصادية بشكل يضمن توازنا أكثر بين الجهات.نفس الأمر تعرّض له المؤتمر الذي جعل برنامجه الوحيد الإنتصار على الإستبداد و إزالة النظام النوفمبري لتأسيس دولة الكرامة فيها للمواطن و السيادة للشعب و نسي في خضمّ ذلك أن يستعدّ لمرحلة ما بعد بن علي فوجد نفسه يلوك هو الآخر برامج إقتصادية و إجتماعية جاهزة معدة للإستهلاك الإعلامي و ليس للواقع المعيش و قد حاول تجاوز ذلك من خلال تضخيم قضية المحاسبة و مقاومة الفساد و التركيز عليها دون غيرها من القضايا..
ثالثا نداء تونس جعل حركة النهضة شغله الشاغل تماما كما كان يفعل المؤتمر مع نظام بن علي و هذا خطأ فادح لأن المهم بالنسبة لحزب ما ليس أن يزيح حزبا آخر عن السلطة و لكن أن يعدّ نفسه لخلافته و أخذ مكانه بإقتدار و نجاح و يكون ذلك بعرض برنامج كامل و متكامل و ليس فقط التعويل على أخطاء حركة النهضة مثلا و التركيز عليها دون غيرها فالناخب لن ينتخب حزبا يقتصر برنامجه على معادة حزب آخر.
رابعا كثرة “الرؤوس الكبيرة” أو القطط السمينة في حزب الباجي و هي و إن كانت إيجابية من ناحية إستقطاب الأنصار و الترفيع في أسهم الحزب في بورصة الإنتخابات فهي أيضا ستتسبّب في صراعات زعاماتية (عدم دخول كمال مرجان لنداء تونس و الرغبة الجامحة في المناصب التي يبديها الطيب البكوش مثلا).هذا الأمر سبق أن عايناه في المؤتمر و خاصة في الصراع على منصب الأمانة العامة بين الطاهر هميلة و عبد الرؤوف العيادي و خروج عديد القيادات التي شكّلت أعمدة الحزب في السابق.
كل نقاط التشابه هذه لا تعني أن نداء تونس سيواجه نفس مصير المؤتمر فكل حزب له طابعه و مميزاته و ظروفه و لكن من المشروع أن نتسائل عن بقاء إئتلاف هذه الاطياف و تجانسها داخل نداء تونس في حال هزيمة الحزب في الإنتخابات المقبلة خاصة و أن بعض الأطراف دخلت الحزب مع سبق الإصرار و الترصّد لإقتسام الغنيمة و ليست مستعدة لإقتسام الفشل و تحمّله. نفس السؤال يطرح في صورة أجبرت الإنتخابات القادمة حزب النهضة و النداء على الدخول في تحالف و حينها قد نشهد إنقساما داخل صفوف الحزب بين مؤيد للتحالف مع النهضة و رافض له و منسحب من الحزب أصلا. أخيرا في صورة الفوز الكاسح لنداء تونس في الإنتخابات القادمة قد نشهد صراعا على التعيينات في المناصب قد تكشف عن صراعات خفية في حزب أسال كثيرا من الحبر مثلما أسال ملهمه و سلفه الدستوري (بشقّيه البورقيبي و التجمعي) كثيرا من الدم قبل أن ينقشع لترى تونس أنوار الحرية.
صاحب المقال : يســـــــري بوعوينة