9 Février 2013
/http%3A%2F%2Fimg.youtube.com%2Fvi%2FL5T5gunwU8I%2F0.jpg)
خطبة جمعة: 8 فيفري 2013 -27 ربيع الاول 1434 موقف المسلم من الفتـــــــن (صوت و صورة و مكتوبة)
الشيخ الأستاذ : خالد التلمودي
صفحة : جامع الصبر خزامة الغربيّة
www.facebook.com/Assabr.Sousse
تصوير : أبو رضـــا
الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأِشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أمّا بعد: فيا أيها الناس، اتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى.
عبادَ الله،، إنّ اللهَ جلّ وعلا ما خلَقنا عبثًا، وإنما خلَقنا لغايةٍ عظيمة؛ ألا وهي تحقيقنا لعبوديّة الله جلّ وعلا، وأرسلَ الرسلَ ليعرِّفوا الخلقَ بذلك، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36].أيّها المسلم، قِف عند كلِّ عملٍ تريد عمَله، وأطِلِ الفكرَ والتأمُّل: هل هذا العملُ الذي تقدِم عليه عملٌ فيه مرضاةٌ لله أو عملٌ فيه سخَط وغضَب من الله؟ تأمّل قبل أن تعمل وفكِّر، واحذَر أن تكونَ أعمالك أعمالَ الخاسرين مِن حيث لا تشعُر، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103، 104].
هؤلاء الخاسِرون حقًّا، عمِلوا أعمالاً وظنّوا أنهم على حقّ، وهم في الواقعِ على باطِلٍ وضلال، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا . نعم، ضلَّ سعيهم لأنّ هذا العملَ على خلاف الحقّ، وعلى خلافِ الهدَى، وهم مع هذا يحسَبون أنهم يحسِنون صنعًا، فيعمَلون الباطلَ، ويستمرّون على الباطل، ويظنّون أنهم على حقّ، وهم في الواقِع على ضلال وخَطأ،بل قد يتجرّؤون على الاستشهاد بآيات وأحاديث نبويّة على ضلالهم،،، وتلك عقوبةٌ من الله يعاقِب بها من صدَّ عن الحقّ وأعرضَ عن الهدَى، أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8]. زيِّن له الباطلُ فيراه حقًّا، زيِّن له المنكر فيراه مَعروفًا، زُيّن له القبيح فيراه حسَنًا، وتلك انتكاسةٌ في القلوب عياذًا بالله من ذلك.
أيّها المسلم، اعلَم أنّك جزء من أمّة الإسلام، وأنّ المؤمن حقًّا هو الغيورُ على دينِه، وهو الغيورُ على أمّته، وهو الذي يسعَى في إصلاحها، ويسعى في هدايتِها وتحقيق الخيرِ لها في العاجِل والآجل؛ ذلك أنه عضوٌ من هذه الأمة، يسرّه ما يفرِحهم، يحزِنه ما يسوؤهم، ولذا يقول (مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطفِهم كمثلِ الجسدِ الواحد إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالحمى والسهَر))أخرجه البخاري في الأدب. أجل ذلك المسلم الغيور على دينه، يسعى في الإصلاحِ قدرَ مستطاعه، يهدي الضالَّ إلى الخير، ويعلِّم الجاهل، ويبصِّر الأعمى، ويهدي الأمّةَ إلى الطريق المستقيم. إن رأَى خطأً أصلحه، وإن رأى خيرًا شجَّع وأعان، فهو دائمًا يسعَى في إصلاحِ الأمّة ما وجَد لذلك سبيلا. من خُلقه أنه لا يرضَى بالأذى على الأمة، ولا يقرّ الشرَّ والضرَر عليها، ولا تؤتَى الأمة من قبله، بل هو يسعَى في الخير جهدَه، ويبذل جهدَه وغايتَه في إصلاح وضعِ أمته واطمئنانهم وتحقيقِ الخيرِ لهم، حيثما كان في أسرته ، في مهنته ، فس النقهى ، في الشّارع ، فيكون معول بناء ومصباح هدى لا معول هدم وكهف ضلال،،، هكذا المؤمن حقًّا.
أيها المسلم، تمرّ بالأمّة محنٌ عظيمة ومصائب كثيرة وفتن متنوّعة، هذه المحنُ والمصائب والفِتن التي تمرّ بالأمة هي ابتلاءٌ وامتحان ليظهرَ موقفُ المؤمن الحقّ الذي يريد الخيرَ ويهدِف إليه، فموقفُ المؤمن حقًّا من هذه المحن والمصائب والفتن موقفُ المؤمن الغيورِ على دينه موقفٌ متميِّز واضح جلِيّ، موقفُ من يسعَى في الخير جهدَه، موقفُ من يحرِص على لمِّ الشعثِ وتوحيد الصفِّ وجمع الكلمة والبعد عن ما يسبِّب الشقاقَ والنزاع.
أيّها المسلم، إنّ موقفَك من هذه المحنِ والمصائب موقفُ المؤمنِ الغيورِ على دينه، موقفٌ لا تنطلي عليه الشرور، ولا يروج عليه الباطل، ولا يخدعه الخادعون، ولا يضلّهُ الغواةُ المجرمون، بل هو ثابتٌ على بصيرتِه، مستقيم على دينِه، لا تزعزِع إيمانَه كثرةُ المخالف والمنازع، بل كلّما اشتدَّتِ الفتن وعظُمت المصائب ازداد بصيرة في دينه وتميزًا للحقّ من الباطل والهدَى من الضلال.
نعم تنتابنا جميعا مشاعر الحزن والحسرة والشكّ والتردّد ولكن يقينك بالله واعتصامك بحبله والتجاؤك إليه بالدّعاء والصّلاة وكثرة السّجود يعيد إليك اليقين ويريك الحقّ حقّا ويدلّك على الطّريق القويم ويبدل حزنك طمأنينة لما يبعث في نقسك من الأمل
أيّها المسلم، موقفك ـ أيّها المؤمن ـ موقفُ الصادقِ الموقِن الذي عرَف الحقَّ فاستقام عليه.
أخي المؤمن، غيرُ خافٍ على كلّ مؤمن أنَّ أمةَ الإسلام دائمًا مستهدفةٌ من قِبل أعدائها، مستهدفٌ دينُها، مستهدَف أمنُها، مستهدَفةٌ أخلاقُها وقيَمها، مستَهدَفة بلادُها وخيراتها، مستهدَف كلُّ خيرٍ ومنفعةٍ فيها، فالدِّين مستهدَف، والأمنُ مستهدَف، والخيرات مستهدَفة، والطُّمأنينةُ والاستِقرار مستهدَف؛لأنّ أعداءَ الإسلام لا يريدون للأمّة أن تعيشَ على خيرٍ وطمأنينة،لا يريدون ذلك، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ [البقرة:109]. فهم لا يريدون للأمّة أن يستقرَّ لها قَرار، أو تهدأَ لها حال، أو تستقيمَ لها مَعيشة، هذا أمرٌ يغيض أعداءَ الإسلام، فكم كادوا للإسلام وأهله المكائدَ، وكم أوقعوا بها البلايا، وكم مزَّقوا شملَها، وكم أفقَروا بلادَها، وكم نهبوا خيراتها، وكم أحدَثوا فيها ما أحدَثوا، لكن للأسفِ الشّديد أنَّ كثيرًا من بلائهم ومصائبهم الذي عجِزوا أن يتمكَّنوا به بأنفسهم تمكَّنوا بواسطةِ بعضِ أفرادِ الأمة الذين خُدِعوا وغرِّر بهم وزيِّن لهم الباطِل فظنّوا أنهم على حقٍّ وهم على غير هدى.وواقعنا اليوم ناطق بذلك ، ليس في بلدنا فحسب بل في الأمّة الاسلاميّة جمعاء.
الخطبة الثانية
أيّها المسلم، ما موقفك من سفك الدماءَ بلا حقٍّ ومن قتل النفوسَ المعصومةَ بلا برهانٍ ولا حجة؟ وما موقفك من الحرق والاعتداء؟ هل هذه هي أخلاق المسلم الذي يقول فيه المصطفى صلّى الله عليه وسلّم : “المسلم من سلم النّاس من لسانه ويده ” ؟ هل تتصوّر للحظة أنّ نبيّ الهدى والرّحمة يمكن أن يصدر منه أو من صحبه عدوان عل أيّ كان ؟ وعلى أيّ شيء ؟ إنّ الموقفَ الصادق من المؤمِن أن يعلنَ براءته من كلّ أصناف العدوان فنحن دعاة لا قضاة مبشّرون لا منفّرون، ميسّرون لا معسّرون كما علّمنا مرّة أخرى المعلّم الأوّل ، إنّ أيّ اعتداء مخالف للشّرعَ فالشرعُ ضدّه بكلّ حال؛وبكلّ المقاييس قال تعالى : {وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ} [البقرة :190]. {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} [البقرة :205 ولأنّ الاعتداء ظلم والظلمُ حرامٌ حرّمه الله على نفسه وحرّمه بين عباده. وإنَّ من يريد الإصلاحَ والهدى لا يسلُك سبيلَ الظلم والإجرام، وإنما ينصَح ويوجِّه ويهدي، أمّا سفكُ الدماء والتعدِّي على النفوسِ فذاك أمرٌ يرفضه الشرع، فنصوصُ القرآن والسنةِ تدلّ على فساده، وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]،بل حتّى وإن كان ذمّيا، وفي الحديثِ: ((مَن قتلَ معاهدًا لم يرح رائحة الجنة)) أخرجه البخاري في الجزية].
أيّها المسلم، موقفُك ممن يريدون أن يخلّوا بأمنِ الأمة ويسلبوا عنها تلك النعمةَ التي منَّ الله عليها بها ليكن موقفَ الحقّ أن تعلمَ أنّ من يريدون زعزعةَ أمن الأمة فإنما يريدون بها الشرَّ والبلاء، وليسوا على هدًى في تصرفّاتهم، بل هم على خطأ واضِح، ليكُن موقفك موقفًا واضحًا ممن يدمِّرون الممتلكات ويقضون على الخيرات، ليكن موقفُك ممن يحاوِلون تدميرَ اقتصادِ الأمة وإحداث البلبلة فيها والقضاء على كيانها وشَريان حياتها موقفَ المعادي لهم وأنهم لم يريدوا خيرًا ولم يقصدوا خيرًا.
ذلك ـ يا عباد الله ـ موقف المؤمن حقًّا، أن يحبَّ العدل ويرضى به، ويرفض الظلمَ ويأباه، ويعلم أنّ الظلمَ ظلمات يوم القيامة.
أيّها المسلم عليك أن تكونَ داعيًا إلى الله، مبصِّرًا لعباد الله، إن علمتَ من إنسانٍ شرًّا أو سمعتَ منه مقالاً سيّئًا عليكَ أن تبصِّر هذا المسلم، وأن تستنقِذَه من غوايته، وأن تأخذَ بيده، عسى أن يسمعَ قولَك، وعسى أن يصغي لنصيحتك، وعسى أن يتبيَّن له الرشد، فيرجِع عن ذلك الطغيان وعن الاستمرار في تلك الطرق السيّئة الملتوية.
يا أيّها المسلم، إنَّ المؤمنَ حقًّا يحرِص على حفظ الدماء والأموال والأعراض، ويحرِص على سلامة المجتمع المسلم وأمنه، ويحيطه بنصيحتِه وتوجيهه. ، ليتعاون الجميعُ على الخير وفي سبيل إغلاق أسبابِ الشرّ والفتن، أعاذنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:25].
بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيمَ الجليل لي ولكم ولِسائر المسلمين مِن كلّ ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.