27 Janvier 2013
/http%3A%2F%2Fimg.youtube.com%2Fvi%2FgX7cwOkbnMM%2F0.jpg)
ما يحدث لأمتنا الإسلامية من ذل وهوان لا يخفى على أحد، فالجراح تملأ جسد الأمة، والضعف والوهن قد أصابه، ولم يعد المسلمون على قلب رجل واحد، ولا راية واحدة، بل تعددت راياتهم، واختلفت وجهاتهم، وتكالب عليهم أعداؤهم من كل مكان.
لقد صرنا أذل أهل الأرض.. لا قيمة لنا، ولا اعتبار لوجودنا، ويكفي ما يفعله بنا إخوان القردة والخنازير وحلفاؤهم الذين وضعونا تحت أقدامهم وسامونا سوء العذاب… يقتلون أبناءنا، ويهدمون بيوتنا، ويعتقلون شبابنا.. كل ذلك يحدث تحت سمع وبصر العالم أجمع.. وضع مخزٍ ومرير تعيشه أمة والإسلام، فإلى متى سيستمر ذلك؟!…ومما يزيد الأمر تعقيدًا أن التفوق المادى والتكنولوجي الذي أحرزه أعداؤنا يجعل من الصعب علينا أن نلحق بهم، وفي نفس الوقت فإن الواقع يُخبرنا بأنهم لن يسمحوا لنا بالاقتراب منهم، فضلًا عن التفوق عليهم، فالمساحة التي أتاحوا لنا الحركة فيها محدودة جدًا.
معنى ذلك أن الحسابات المادية تثبت وتؤكد حقيقة استمرار الوضع البائس الذي تعيشه الأمة الإسلامية، بل وستزداد الأوضاع سوءًا نتيجة المطوحات غير المحدودة للصهيونية والصليبية العالمية في بلاد الإسلام.
… نعم هذه هي حسابات أهل الأرض، أما حسابات أهل الإيمان فتخبرنا بأن هناك قوة عظيمة لا يمكن للعقل البشري أن يتصور مداها.. هذه القوة إن ساندت أحدًا مهما كان ضعفه ؛ فالنصر يكون حليفه بغض النظر عن قوة أعدائه.. إنها القوة الإلهية، قوة الجبار – سبحانه وتعالى – الذي له جنود السماوات والأرض، والذي يملك كل شئ، يملك الريح والعواصف، والرعد والبرق، والزلال والبراكين و.. ويملك أنفاس أعدائنا.
هذه القوة هي أملنا الوحيد في مواجهة هجمات أعدائنا الشرسة، وإعادة مجدنا، وريادتنا للبشرية من جديد.
.. هذه القوة هي التي ساندت الفئة الضعيفة من بني إسرائيل ضد فرعون الطاغية وقومه فماذا حدث؟!
ولكن هل نترك الأسباب:
ليس معنى القول بأن أملنا في الله وحده أن نترك الأسباب المادية بدعوى عدم جدواها، وبأن أعداءنا لن يسمحوا لنا بمنافستهم أو الاقتراب منهم في مجالات التقدم العلمي، بل المطلوب هو العكس… أن نملأ كل فراغ يُتاح أمامنا، ونتغلغل في كل القطاعات، ونجتهد غاية الاجتهاد في امتلاك أسباب القوة، لا لأننا سننتصر بها، ولكن لأن الله عز وجل طالبنا بذلك: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال:60).
وعلى قدر اجتهادنا في الأخذ بما يُتاح أمامنا من أسباب نكون قد حققنا شرطًا من شروط النصر والتغيير، مع الأخذ في الاعتبار أن الأسباب بعينها لن تحقق لنا النصر، بل الذي سيحققه هو الله… أليس هو القائل: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (الأنفال:10)، والقائل: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (آل عمران:160).
- متى نصر الله؟!
فإن كان أملنا في الله وحده، فمتى إذن يتحقق هذا الأمل، فدافع الله عنا، وينصرنا على أعدائنا ويُمكَّن لنا في الأرض؟!
أفاض القرآن في الإجابة على هذا السؤال، وأخبرتنا آياته أن للنصر والتمكين شروطًا، بها يُستدعى ويُستجلب، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7)،
فلابد إذن من نصرة الله على نفوسنا، وتغيير ما بها، والانتقال من كل حال يغضب الله عز وجل إلى الحال الذي يرضيه…لابد من تغيير عميق يضرب في أعماق الأمة ويعيدها الى الله إن أردنا الخروج من حالة التيه التي نمر بها.
ولكي يتغير حال الأمة من المرض إلى الصحة لابد من وجود من يأخذ بيدها، ويدلها على الدواء، ويعينها على تغيير ما تلبست به مما يغضب الله عز وجل ولابد من جود طائفة أو جيل ينطلق وسط الأمة فيبث الروح والأمل، ويبين لها طريق الصلح مع الله، وبخاصة أن الأمة الإسلامية الآن مهيأة لذلك أكثر من أي وقت آخر، فلقد أسفر أعدؤها عما كانوا يعملون على إخفائه من عداوة وكراهية وحقد أسود. فآلات الذبح لإخواننا المسلمين تُجهزَّ أمام أعيننا، ومخططاتهم الرامية لتذويب شخصيتنا يخبروننا بها قبل تنفيذها إمعانًا في إذلالنا، والقضاء على أي أمل يراودنا…
… نعم، ليست الأمة كلها في غيبوبة، بل هناك عاطفة جياشة تجاه الإسلام، تتنامى بمرور الأيام، ولعل من تلك العاطفة: امتلاء المساجد بالشباب والشيوخ، والإقبال على حلقات القرآن، ودروس العلم، ومنها كذلك: انتشار الحجاب بين المسلمات.
… عاطفة جيدة توجد الآن في ربوع الأمة، ولكنها وحدها لا تكفي، بل لابد من حُسن توجيهها إلى الاتجاه الصحيح.. اتجاه التغيير الحقيقي لما في النفس من جوانب عدة ليشمل التصورات والاهتمامات، والسر والعلن، والأقوال والأفعال.. تغييرًا يعيد تشكيل العقل، ويُمكِّن للإيمان في القلب، ويطرد منه حب الدنيا، فينعكس ذلك على السلوك بالمسارعة في الخيرات، والطمع في الدرجات العلى في الجنة، والتعلق بالله عز وجل، وقطع الطمع مما في أيدى الناس، مع بذل غاية الجهد في حُسن الإعداد، وامتلاك أسباب القوة.
… نعم، إنها مهمة صعبة، ولن يكون الطريق إلى تحقيقها مفروشًا بالورود، فسيقف أمامها أهواء الناس، وحبهم للدنيا وعدم رغبتهم في التضحية ولو بشيء يسير منها، ولكن مع الإصرار ووجود القدوة الصالحة في أبناء جيل التغيير، ومع تأكد من حولهم من صدقهم وحرصهم على مصلحتهم وعدم طلبهم أجرًا وراء أفعالهم.. كل ذلك وغيره من شأنه أن يُعيد الأمة إلى الله شيئًا فشيئًا، وبخاصة إذا ما انتهج أبناء الجيل الموعود أسلوب الحكمة في الدعوة، وتقديم مفهوم التغيير للناس بصورة محببة ومبسطة يستطيعها الجميع.
مجدي الهلالي